بـ 7 عناوين.. أجمل قراءات العام 2021

كما يحصد التاجر حصيلة ربحه آخر العام؛ أجلس مع دفتري ( وفي رواية أدقّ حاسوبي) لأحصي أرزاق العام المنصرم وأنا لا أعلم لو يكتب الله لي شهود العام المقبل أو لا.
لم أدخل في سباق مع أحد لأجل إنهاء عددٍ من الكتب، ولا يهمني إطلاقاً لو غيري قرأ ألفَ كتاب أو أكثر في سنة، الأمر كلّه متعلق عندي “بالفائدة الشخصية مضافاً لها المتعة في السير” فلو أني خرجتُ بكتابٍ واحدٍ لكان كافياً لي.
ومنذ زمن طويل لم تعد تهمني الأرقام، ولا صراع الكمّ والكيف، هل نقول كبرنا على مثل هذه الصراعات؟ ربما، هل هو النضج الذي يقولون عنه؟ لا أعتقد لكن لعله!

سبب الاختيار

ليس هناك سببٌ منطقيّ لاختيار هذه القائمة من قراءات العام سوى أني أحببت الوقت الذي أمضيته في القراءة، ولم أشعر أبداً بضغط الانتقال ركضاً لإنهاء الصفحات التي بين يديّ، بل كانت الرحلة تشبه المشي في طريق طويل مُعشب، وكل خطوة تسلّمني إلى جمال لاحق.
لذا فهي “اختيارات شخصية” وليست ترشيحات بطبيعة الحال، فالأذواق تختلف من قارئ لآخر.

الكتاب الأول: سيرة عادية لشخص عظيم (ستونر)

غلاف رواية ستونر طبعة دار أثر

قرأتُ الرواية قبل مدة لكني كنت مستعجلاً فما ركّزت كثيراً فيها، أما الآن فالقراءة كانت بغرض المتعة الخالصة، وقد تحقق هذا الغرض.
لعل من أجمل ما تمنحه لنا الكتب العظيمة ليست المعلومات القيّمة بالضرورة، بل الشعور بأنّك عشت حياة مضاعفة بعد فراغك من القراءة، مع (ستونر) لم أشعر بالوقت، وكنتُ في كل مرّة متلهفاً لمعرفة ماذا سيحدث، وأي مسار سينقلب لتتخذ الحبكة شكل الدراما وتتصاعد الأحداث، لكن الغريب أنّ أي من هذه الأشياء لم تحدث، بل تكاد تعرف التفاصيل قبل أن تصل لنهايتها، وهذا سرّ عظمة العمل! أن يريك العاديّ في صورة غير عاديّة.
لا زلتُ أغبط كل من لم يقرأها بعد.

الكتاب الثاني: مسألة شخصية

غلاف رواية “مسألة شخصية”

من الكتب التي طال انتطاري لها وكانت تستحق كل هذا الصبر، رواية من النوع الذي يلصق بالذاكرة ولا يغادرها بسهولة.
شكراً خلود على التوصية.

الكتاب الثالث: غراميات

غلاف رواية “غراميات” طبعة دار التنوير

في السرد والتفاصيل والإثارة فالإسبان متفوقون، ستجد في هذه الرواية الخيانة والعذاب، والأسئلة غير المجابة، والقلق من أن تكون شخصاً آخر غير الذي تعرفه عن نفسك. الكاتب الذي يُدخلك غابة السرد الكثيف دون أن يجعلك تفلت يدك من يده ويوصلك إلى برّ النهاية وأنت مستمتع طوال الرحلة؛ هذا الكاتب يستحق أن تلتفت إليه.
هذه الرواية كانت من هذا النوع.

الكتاب الرابع: الاعتبار

غلاف كتاب “الاعتبار” طبعة المكتب الإسلامي

لو أردتها سيرة ذاتية فهي كذلك، ولو أردتها تاريخاً فهي كذلك، ولو أردتها أنموذجاً للكتابة النثرية القديمة التي تشبه الخواطر واليوميات لوجدتها أكثر من ذلك.. استمتعت جداً بقراءة هذا الكتاب واستفدتُ منه أشياء وغرائب لا أظنّ أنّك واجدها في مكان آخر.

الكتاب الخامس:الاقتصاد كما أشرحه لابنتي

غلاف كتاب “الاقتصاد كما أشرحه لابنتي” طبعة دار الساقي

أحبّ الكتب البسيطة التي تشرح مفاهيم عويصة، وخصوصاً “علم الاقتصاد” المعروف بأنّه من العلوم المشتبكة.
في هذا الكتاب رحلة ممتعة يكتبها الأب بلسان المحبّ لابنته ويشرح ويشرّح لها تفاصيل ما كانت ستعرفها لو قرأتها في كتب ضخمة، الكتاب أعدّه من أساسيات الكتب في فهم علم الاقتصاد ورحلة الأموال في عالمنا المعاصر.

الكتاب السادس: مفتاح دار السعادة

غلاف كتاب “مفتاح دار السعادة” طبعة دار عالم الفوائد

أنا منحاز كلياً لابن القيم رحمه الله، وأحبّ كل ما كتبه وإن كانت بعض كتبه لها مكانة عندي تفوق الكتب الأخرى، وهذا الكتاب منها.
من الأشياء التي أحبها في ابن القيم رحمه الله (المنهجية) في الكتابة والأسلوب الممتع الذي لا يدع لك مجالاً لأي سؤال أو استفسار إلا ويجيبك عليه على سَنن الأولين بما يعرف باسم [الفنقلة] وكل هذا بأدلة قوية وحجج دامغة.
الكتاب عن العلم وطرقه وفائدته وسبيل تحصيله، وعن دحض الخرافات والأقاويل الباطلة بالعلم أيضاً.

الكتاب السابع: سيّان

غلاف كتاب “ٍيّان” طبعة دار الجمل

من قرأ لآغوتا كريستوف الثلاثية سيحبّ هذا الكتاب وإن لم يكن بمستواها، قصص قصيرة مكتوبة بحِرَفيّة وإتقان، آغوثا تشبه البستاني الذي يشذّب أطراف الحديقة كي تبدو أجمل وأنضر، وهي تفعل الأمر ذاته مع النص، فلا كلمة زائدة ولا كلمة ناقصة.. كما يقولون: تلبس النص ردائه المناسب بلا بهرجة ولا تقتير.

هذه الكتب هي أبرز ما علقَ بذهني من قراءات، ولا أنكر أنّ هناك كتباً أخرى نافعة ومفيدة ومميزة قد غفلتُ عنها أو نسيتها لكن الأمر – كما ذكرتُ في أول التدوينة – لم يكن بغرض المسابقة ولا التفضيل، بل المتعة الصرفة.

وأنتم أصدقائي؛ ماهي الكتب التي رافقتكم هذه السنة وكانت خير رفيق لكم في رحلة القراءة وتركت بصمتها عليكم؟

مصدر الصورة البارزة: هنا

وفاة الشيخ مشرف الشهري

قبل أن أخذ استراحة الغداء طالعني خبر في إحدى قنوات التلغرام التي أتابعها خبر وفاة الشيخ مشرف الشهري فانقبض صدري والله، ولم أدرِ ما أكتب.. أنا الذي لم ألتقي بالشيخ في حياتي، لكن أياديه البيضاء وصل خيرها لي ولكثير من محبي العلم وطلابه.

نص الرسالة في إحدى قنوات التلغرام تنعي الشيخ مشرف الشهري رحمه الله وهي قناة [ علم ]

وقد تداول طلاب علم مقربون من الشيخ قبل عدّة أشهر طلباتهم للدعاء له بعد تدهور حالته الصحيّة ودخوله المشفى أكثر من مرة إثر مرضٍ ألمّ به.

وصيته

ومن الأشياء التي انتشرت عن الشيخ رحمه الله وصيته الأخيرة وهو في حال مرضه حيث قال فيها:

“المرض يظهر الإنسان على حقيقته المجرّدة، فبينما هو بين أهله وأحبائه في خير وعافية إذ يدهمه عارض لم يكن في باله فيقلب حياته رأساً على عقب، فتتوقف كل برامجه ويصبح رهين داره. فتذكرتُ الحديث: هل تنتظرون إلا .. ومرضاً مفسداً.
فبادر بالأعمال الصالحة ولا تسوّف ولا تعجز“.

الصورة
جزء من وصيته كما انتشرت في منصات وسائل التواصل الاجتماعي

أياديه البيضاء في نشر العلم وخدمة أهله

عُرف عن الشيخ رحمه الله قيامه بجهود جبّارة تعجز عنها مؤسسات كبيرة، وما هذا كلّه إلا من توفيق الله تبارك وتعالى له وتيسيره الخير على يدي عباده الصالحين.
فمن المواقع التي أسسها الشيخ وأشرف عليها موقع الباحث العلمي وجامع الدروس و جامع المخطوطات والإشراف على موقع نقاية إضافة إلى عدد ضخم من قنوات التلغرام المختصة بتصويرونشر كتب العلم.

قنوات المشروع على تلغرام

وهذه أبرز القنوات التي أشرف الشيخ مشرف الشهري رحمه الله عليها:

رحمه الله تعالى وجعل ما أصابه كفّارة لذنوبه، وأجزل الله المثوبة والأجر فيما قدّم وبذل وساهم.

الثابت والمتحول

كتابة “تغريدة” تشبه رمي قطعة نرد بدون انتظار النتيجة، ترمي الأحرف في المربع الأبيض ثم تغادر، الأمر مختلف قليلاً حين تكتب “تدوينة”، لعلها تشبه أكثر مباراة شطرنج غير احترافية.

مجهول

الكتابة لمنصات التواصل الاجتماعي أخفّ وطأة وأكثر يسراً؛ مع أنها -وياللمفارقة- أشد ثباتاً في القلب، وحضوراً في الذهن مما يجري في بوابات المدونات المخفية.

المعضلة

حين أمرّ باقتباس مميز، أو مشهدٍ مميز، أو ترشيح لمقطع صوتي أو مرئي فإنّ أول ما يخطر ببالي ( منصات التواصل الاجتماعي) بالدرجة الأولى، ومن ثَمّ ثلّة مقرّبة أعرف أن مشاركتي إياها هذه التفاصيل لن تجعلها تذبل وتموت.

منذ اعتيادي على تقليد الانكفاء السنوي عن “منصات التواصل” وفي الأيام القليلة اللاحقة لهذا الانكفاء يتبادر السؤال الوجودي: لو لم يرَ أحدٌ الشجرة الساقطة في الغابة ولم يسمع صوت ارتطامها، هل يمكن أن نقول إن الشجرة سقطت؟ يمكنني مدّ هذا السؤال إلى أقصاه والسؤال عن الأثر الممتد للأشياء التي تُصنع في الخفاء أو بعيداً عن الأضواء، وحين يعرف الناس بها هل يكون احتفائهم بها بنفس القوة لو كانت تحت الضوء؟

تناقض أو اتساق؟

أعرفُ صديقاً يُنتج في السنة من 3 إلى 5 كتب ترجمة، ويكتبُ عدداً من المقالات المحكّمة، ويشرف على عدّة منصات للبحث والكتابة، إضافة إلى كونه أباً وزوجاً وابناً وصديقاً يقوم بهذه المهمات كلها على أتم وجه، وصفحاته على وسائل التواصل الاجتماعي توحي بأنّ هذا الشخص منقطع عن العالم الخارجي (الداخلي) وهذا ليس بصحيح، وفي المقابل هناك من ينغمس إلى أذنيه فيها ويُظهر عكس ما يجري في الواقع، لكن حياته اليومية “باهتة” ولا إثارة فيها.

الحل؟

الحل الوسطي كي لا تموت هذه المشاركات هو تدوينها، سواء تدوين ذاتي شخصي لا يطلع عليه أحد، أو تدوين علني -كما يحدث الآن- ولأني من أنصار الفكرة التي تقول: بإمكانك الاستمتاع باللحظة وتوثيقها في الوقت ذاته دون أن ينقص ذلك من أثر أياً منها، آثرتُ أن تكون هذه التدوينة لمشاركة الأصوات العالية التي تطرق باب رأسي، ولم أجد مكاناً أنسب من هنا لنشرها فهنا مدونت(ي).

مصدر الصورة البارزة: هنا

مروءاتٌ معاصرة

تأسرني مكارم الأخلاق، وفي كلّ مرة أقرأ فيها نصاً تراثياً يشير إليها تعروني نشوة داخلية، وتتحفز النفس لتجربة هذا الشعور.
قبل مدة أنهيتُ كتاباً جميلاً بعنوان [ مروءات معاصرة ] والجميل في الكتاب ليست القصص التي فيه فحسب؛ بل أنّ كل القصص الواردة فيه جرتْ في زماننا هذا، لأنّ الناس حين تسمع قصص الأولين تحسب أنّ الخلق الحسن كان جبلّة في الأولين، لكنه عند المتأخرين(نحن يعني) شبه نادر، هذا الكتاب جاء ليصحح هذه الإشكالية.

ومما جاء في تعريفها:

من كتاب مروءات معاصرة صـ 9
من كتاب مروءات معاصرة صـ 10

أحبّ لكم أن تقرأوا الكتاب لأنه ممتع (أو ماتع) وفيه من الأدب والخلق الرفيع ما يحفز المرء على التخلق بهذه الأخلاق العالية.

اليوم عصراً مررتُ على منشور في إحدى القنوات التلغرامية التي أتابعها، وقفزت في وجهي جملة شعرتُ بأنّها نزلت عليّ كالصاعقة، ليس لأنها غريبة عليّ، لكن لقوة أثرها فيّ، وكيف أننا أحياناً نتعامل مع أحبابنا وأقربائنا ومعارفنا بهذا المبدأ.

تقول صاحبة القناة:

ثم إن آخر ليلة من رمضان ليلة يعتق الله فيها قدر ما يعتق في رمضان كله، فلا يغط حسن ليلة القدر على حسنها فنخسر. وثم إن من أحسن الأخلاق أن يحسن الإنسان خلقه مع ربه سبحانه، وليس من حسن الخلق أن تنتهب حاجتك ثم تولي أو تضعف، بل أن تكون على هدي نبيك صلى الله عليه وسلم “أفلا أكون عبدا شكورا” ولم يبق إلا هذه الليلة والتي تليها وقد لا نتم الثلاثين.

والجملة التي أسرتني هي:

وليس من حسن الخلق أن تنتهب حاجتك ثم تولي أو تضعف

فكم نهبنا وقتَ غيرنا حين مصلحتنا ثم حين انقضت مررنا عليه وكأننا لا نعرفه، وكم نهبنا جهد زملائنا وحين تم لنا الأمر نسينا مشاركتهم، وكم من زوج نسي فضل زوجه عليه في وقت الشدّة بعد أن انتهب منها أجمل سنيّ عمرها، وكم من صديق طعنَ صديقه في ظهره وتولي عنه بعد أن فجعه بصحبته.. والأمثلة كثيرة ولا أريد استيفائها لكني أحبّ لفت النظر إلى هذه النقطة.

لو سُحبت منك كل الفضائل ولم يبقَ عندك سوى “المروءة” فأنت على خير عظيم، فلو وجدتُ نفسك متحليّاً بها فاحمد الله على ذلك.

الأحد27 رمضان 1442هـ الموافق لـ 9 مايو 2021م.

«فتور» الجائحة: حالة الإعياء من الإغلاق

نشر الصديق أنس سمحان في مدونته الشخصية نصاً جميلاً ترجمه عن حالة الإعياء التي ترافق الإغلاق بسبب جائحة كورونا، بعنوان [«فتور» الجائحة: حالة الإعياء من الإغلاق].

أقتبس منه:

يمكننا القول إن الفتور هو الابن الأوسط المتروك بلا رعاية في عالم الصحة النفسية. فهو يقع في منطقة بين الاكتئاب والازدهار، ويمكن تعريفه على أنه غياب العافية. لا تظهر على الشخص أعراض الأمراض العقلية، ولكن لا تكون معافىً عقليًا أيضًا. لا يمكنك العمل بطاقتك الطبيعية. يخنق الفتور مُحفزاتك ويدمر قدرتك على التركيز ويضاعف إمكانية تقليصك لعملك أو لما تقوم به بشكل عامٍ. ويكون الفتور في هذه الحالة، أكثر شيوعًا وأكثر ملاءمة للأعراض من الاكتئاب الشديد، وفي بعض الحالات، قد يكون عامل خطرٍ كبير يؤدي لاحقًا للإصابة بأحد الأمراض العقلية.

أدعوكم لقراءته هنا ومشاركتي آراءكم عنه.

السبت26 رمضان 1442هـ الموافق لـ 8 مايو 2021م.

مصدر الصورة البارزة: unsplash

هل أتاك حديث “#حيّ_الشيخ_جراح”؟

مهما كنتَ بعيداً عن ضجيج السياسة و ضخّ الأخبار اليومية؛ فلا بد أن يكون وصل لسمعك حملات التهجير والإبادة التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي في القدس، وفي حيّ “الشيخ جراح” بشكل خاص.. هذه التدوينة تجميع لبعض المواد الأساسية والمنصات الرقمية المهتمة بالموضوع بشكل يوميّ لتعرف مالا يسعك جهله عن القضية.

متراس

مادة ممتازة مقدّمة من متراس لتعرف ما يجري في القدس: حيّ الشّيخ جراح.. كم مرّة على الفلسطينيّ أن يُهَجّر؟

موقع القسطل AlQastal

صفحة “منى الكرد” على الإنستاغرام

حساب المركز الفلسطيني للإعلام على تويتر

حساب الجزيرة فلسطين

حساب تنوين في الإنستاغرام

شبكة رصد



حساب الأستاذ محمد خير موسى.. وهناك الكثير لكن هذه المنصات تغنيك عن غيرها.

والأهم من كل هذا ألا تعتبر ما يجري أمراً عادياً ولا علاقة لك به.

مصدر الصورة البارزة: Khair_Aljabri

الجمعة25 رمضان 1442هـ الموافق لـ7 مايو 2021م.

كثيرٌ من الكتّاب.. قليلٌ من الكتابة!

“هذا الكم من الكتب العبيطة المنشورة مؤذ يا حودة”

معارض الكتب والمكتبات ودور النشر والبسطات ومتاجر الكتب الإلكترونية تطفح بألوف – ولو أردنا الدقة بعشرات الألوف – من العناوين التي تخرج شهرياً أو سنوياً، والكثرةُ من شيء ليست دائماً دليل جودة، فلمَ هذا الحنق على الإسهال في النشر؟

فرضية الكاتب

كل شخص منا ربما راوده حلم أن يكون كاتباً مشهوراً ويتصدر كتابه قائمة الأكثر مبيعاً (بالنسبة لهذه القائمة هي عندي دليل استهلاك لا دليل جودة الكتاب، بل على العكس غالباً ما يكون تقييمي للكتاب إذا كان في الأكثر مبيعاً= الأقل فائدة)، هذا الحلم الذي أصبح أسهل من أي وقت مضى بسبب سهولة النشر وقلّة التكاليف وسرعة الانتشار ورابطة المشجعين، لكن هذا الحلم – الجميل في أصله- انحرف عند كثير من الناس وأصبح “حاجة ملحّة” وضرورة لسحب الاعتراف الذاتي أمام المجتمع.

النشر للجميع.. والقراءة أيضاً

هناك صنفان من البشر بخصوص النشر – بغض النظر عن جودة المحتوى – الصنف الأول: الذي يشجع مطلق النشر بحجّة أنّها حريّة شخصية، ولكل فرد القرار في أن يقرأ ما يقع بين يديه أن أن يتجاوزه، والصنف الثاني: الذي يرى تقييد النشر بالأهليّة (وهذه الأهلية مكتسبة طبعاً ولها شروط ثانية) وبالتمكّن والجودة.
أنا شخصياً أرى نفسي بين الصنفين، فمرّة أكون مشجعاً للنشر بعمومه، ومرّة أتحرّز منه وأخشى على من يتسرّع فيه الوقوع في وهم التمكّن والشهرة.
عملية نشر الكتب ليست عملية معقدة بقدر ما هي “سوق” فيه عرضٌ وطلب، أعمدته الأساسية: دور النشر، الكاتب، القارئ. ولو فُقدَ عمود من هذه الأعمدة تخللت عملية النشر.
فالقارئ يطمح لقراءة موضوع ما بشكل تفصيلي، فيأتي الكاتب ويملأ هذا الفراغ بمحتوى يرى أنّه يستحق الانتشار، فيتواصل مع دور النشر لطباعة كتابه وضمان وصوله للقارئ.

قد تختلف هذه العملية في الترتيب فتكون البداية من دور النشر بتشجيع الكاتب وحثه على طباعه كتبه بحجّة أن “السوق/ القارئ” يحتاج، وتدور العجلة.
طيب.. أين المشكلة في كلّ هذا؟ ولمَ ننظر للأمر وكأنه جريمة تقترف؟ الحقيقة هناك أبعاد كثيرة لقضية النشر لا تتعلق بالكاتب نفسه بل بالسياق العام الذي يوضع فيه.
وبرأيي هناك عدة مؤشرات تنبّه على ضرر التسرّع في نشر كل محتوى بكتابٍ ورقي:

1- السيء يأخد مكان الجيّد: للأمانة لستُ مع المقولة الشهيرة التي راجت ونسبت للعقاد والتي يقول فيها: “ليس هناك كتابا أقرؤه و لا أستفيد منه شيئاً جديداً، فحتى الكتاب التافه أستفيد من قراءته، أني تعلمت شيئاً جديداً هو ما هي التفاهة؟ و كيف يكتب الكتاب التافهون؟ و فيم يفكرون”.
ولو عرفنا الكتب التي يعتبرها العقاد آنذاك كتباً تافهة لراجعنا المقولة جيداً قبل إطلاقها على عموم ما نراه من كتب قليلة الفائدة.
فالكتاب السيء الذي ينتشر يأخذ فرصة الكتاب الجيّد، والوقت المبذول في تصفحه وقراءته لو صُرف في الثاني لكان أفيد.

2– غرور الشهرة: وهذه تقع لمن يذيع صيت كتابه – أياً كان محتواه – ويربط بين أمرين غير متلازمين وهما: كثرة القراءة للكتاب مع التأثير والرغبة بإنتاج المزيد، لذلك نرى أن بعضهم ينشر في السنة 3 أو 4 كتب، وهذا الرقم ضخم وليس شيئاً عادياً، إلا لو كان المحتوى ذاته مكرراً ويدور المؤلف حول فكرة أو فكرتين في كل كتبه، أو كان جلّه “نسخ ولصق”.
ع الهامش كده، “استغرق امبرتو إيكو في كتابة : اسم الوردة 15 سنة، وبندول فوكو 8 سنوات، وجزيرة اليوم السابق 6 سنوات”. المصدر هنا.

3- التصدّر قبل التحصرم: وهذه مشكلة أغلب الناس وليس الكتّاب فقط، لكنها أكثر سمة بارزة فيهم لأنّ نتاجهم يصل لأيدي أناس أكثر، فبالتالي يصبح تحت الضوء، ويطلب منه الإدلاء برأيه في محافل وتجمعات، ولأنّ حصيلة خبرته الكتابية أو المعرفية قليلة، ويستحي من أن يقول: لا أعرف، ينحدر – إذا لم يكن ذا ضمير حيّ – إلى الهبد والفتي، وترى عبارة [ من تكلم بغير فنّه أتى بالعجائب ] تتلبسه كأنها ثيابه.

اكتبوا ولا تسمعوا لكلامي

يعني بعد كل هذه المقدمة هل المطلوب من الجميع التوقف عن الكتابة والنشر؟ أو لو رأى المرء في نفسه أهليّة لنشر كتابه يتوقف عن ذلك؟ طبعاً لا؛ ولم أقصد هذا بكلامي مطلقاً، بل القصد أن يعرف كل امرئ قدره على التحقيق، ولا يتشوّف كثيراً لنشر كتابه الأول وكأنّه إنجاز العُمر، وليعلم أنّ قيمته غير مرتبطة بعدد الكتب المطبوعة.
ثم من أراد بعد ذلك النشر فلن يطلب مني الإذن يعني.. فالأمر ليس لي، ولست قيمّاً على أصابع الناس وكيبورداتهم!
بالتوفيق لهم.

الخميس24رمضان 1442هـ الموافق لـ 6 مايو2021م.

مصدر الصورة البارزة: unsplash