تلخيص كتاب [ عمل عميق ] قواعد لتحقيق نجاح مركز في عالم مشتت

تلخيص كتاب [ عمل عميق ] قواعد لتحقيق نجاح مركز في عالم مشتت

“في حجرة عزلتي، أجلس مع نفسي، وأحتفظ بالمفتاح معي طوال الوقت، ولا يسمح لأي أحد بالدخول دون موافقتي”

كارل يونج


والكتاب أساساً مقسّم لجزأين [ نظري وعملي ]

 الأول ( النظري ): يشرح فكرة العمل العميق والدلالة على أنّه مهم وضروري وخصوصاً في عالم الاقتصاد المعرفي الآني.

والثاني ( العملي ) تطبيقات عملية لكيفية الدخول في مثل هذه الحالة والاستمرار فيها.

لنبدأ بالكتاب.. بسم الله!

تعريف  العمل العميق: “هو مجموع الأنشطة المهنية التي تؤدى في حالة عالية من التركيز المتواصل الذي يدفع قدراتك المعرفية إلى أقصى مدى. وتخلق هذه الجهود قيمة جديدة وتطور مهاراتك، ومن الصعب استنساخها”.

فيكون العمل السطحي:هي المهام التي لا تطلب معرفة، وذات طابع لوجستي وتؤدى في أثناء تشتت الذهن، وتلك الجهود غالباً لا تصنع الكثير من القيمة المستحدثة ومن السهل استنساخها”.

فبالتالي؛ العمل العميق ليس مجرّد شعور بالحنين للماضي قاصراً على كتّاب وفلاسفة بداية القرن العشرين، بل هو مهارة لها قيمة كبيرة في عالم الأعمال اليوم.

فنظرية الكتاب ملخصها في: “إن القدرة على أداء عمل عميق أصبحت نادرة بشكل متزايد، لكنها في الوقت نفسه أصبحت تمثل قيمة كبيرة في اقتصادنا، ونتيجة لذلك فإن القليلين الذين يصقلون تلك المهارة ثم يجعلونها جوهر حياتهم سوف ينجحون”.

العمل العميق ذو قيمة

يؤكد في هذا الفصل أنّ هناك 3 أصناف أساسية هي التي ستكون “واجهة سوق العمل الاحترافي” وهم: العمال فائقو المهارة، والنجوم، وأصحاب الأعمال. الصنف الأول الذين يستطيعون العمل بشكل واعي وجيد مع الماكينات الذكية، الصنف الثاني الذين يعتبرون الأفضل فيما يفعلونه، والصنف الثالث الذين يتوفر لديهم رؤوس الأموال.

والرابط بين هاته الأصناف قدرتان لو أتقنها المرء للحلق بركبهما:

  1. القدرة على إتقان الأشياء الصعبة بسرعة.
  2. القدرة على الإنتاج بمستوى متميز يتناسب مع كل من الجودة والسرعة.

فتكون المعادلة كالتالي:
[ إذا لم تتعلم لن تنجح _ و إذا لم تنتج لن تنجح ] ويؤكد أنّ العمل العميق يساعدك على تحقيق هذين الهدفين بدقة وفعالية.

إنتاج عالي الجودة = الوقت المستنفذ * التركيز الشديد

ثم يعرّج على شرح فكرة [ رواسب الانتباه ] المتعلقة بفكرة [ تعدد المهام ]  وإثبات أنّ هذا الفعل مضر للعقل ومرهق للنفس على المدى القريب والبعيد .

طبعاً هناك بعض المهن والأعمال التي لا تحتاج للعمل العميق ومع ذلك يكون صاحبها ناجحاً، لكنها مقارنة بالأعمال المتبقية فهي نسبة ضئيلة جداً.

خلاصة الفصل: العمل العميق ليس المهارة القيّمة الوحيدة  في اقتصادنا، ومن الممكن أن نبلي بلاء حسناً دون تعزيز تلك المقدرة، لكن المواقع التي ينصح فيها بذلك هي تكون نادرة جداً.

العمل العميق نادر

أصبح هناك توجه عام وخصوصاً عند الشركات الحديثة لتنبي نمط من العمل يقوم على 3 بنود رئيسة:

  • التعاون التصادفي [ نظام المكاتب المفتوحة مثل فيسبوك وتويتر ]
  • التواصل السريع [ شركات الخدمات السريعة والطلبات ]
  • الحضور النشط في مواقع التواصل الاجتماعي [ الفنانين والأدباء والصحفيين بحجة الترويج لمنتجاتهم ]

طبعاً لا يمكن الإقرار بنجاح هذه الأنماط وتعميم التجربة على باقي الأعمال والمهن لأنّها غير ملموسة، وغير قابلة للقياس، وسمّاها الكاتب أزمة “مقياس الثقب الأسود”.

إضافة لهذا الأمر هناك مبرر ثاني لعدم القدرة على إثبات نجاح هذه الميزات، وهو ما يسمى بمبدأ [ المقاومة الأقل ] والذي يقوم على فكرة بسيطة وهي: “في محيط العمل، بدون وجود تغذية راجعة واضحة عن تأثير السلوكيات المختلفة على المحصلة النهائية، سوف نميل ناحية السلوكيات الأسهل في الوقت الحالي”.

فكّر الآن بأمرين: كتابة مخطط لمشروع تخرجك أو تصفح الفيس بوك أيها أسهل؟

وهذا يقود لسياسة أخرى تتبعها بعض الشركات لقياس جودة الأعمال وهي:
[ الانشغال كبديل للإنتاجية ] والتي تعني أنّ القيام بالكثير من الأشياء المرئية الملموسة أهم من جودة هذه الأعمال.
وهذا لا يعبّر بالضرورة عن أنّ الانشغال = المشغولية [الإنتاجية ] .

آخر فقرة لطيفة في هذا الفصل بعنوان [تمجيد الإنترنت ] وهي فكرة مفادها أنّ أي نشاط لشركة، مؤسسة، عمل، بمجرد كونه على الإنترنت فهو شيء جيّد، وطبعاً دحضَ الكاتب هذه الفكرة بذكاء وأدلة ( يراجع الفصل الثاني باب تمجيد الإنترنت ص 68- 73 ).

العمل العميق هادف

” لقد جعلني عالم الطرق السريعة للمعلومات والفضاء الإلكتروني أشعر بالبرد وخيبة الأمل” بهذه العبارة صدّر المؤلف الفصل هذا النقل عن  “ريك فورير” الحدّاد المتخصص في أعمال الحدادة العتيقة اليدوية. والهدف من هذا الفصل التأكيد أنّ العمل العميق قد يولّد الكثير من القناعة في اقتصاد المعلومات كما يفعل بوضوح في الاقتصاد الحرفيّ.

وسيكون التأكيد على هذه النظرية مبنيٌ على 3 حجج [ منظور عصبي – منظور نفسي – منظور فلسفي ] .

المنظور العصبي: خلاصة هذه الحجة مرتكزة على رأي الكاتبة في مجال العلوم [ جالاهير ] التي أصيبت بمرض السرطان من النوع المتقدم والسيء جداً فكان هذا المرض سبباً في تأليف كتابها الشهير [ rapt ] التي تلخص فيه: “ماهيتك وما تفكر فيه وماتشعر به وتفعله وتحبه- كل هذه الأشياء هي خلاصة ما تركزّ عليه”.

وقصدها أنّ التركيز الموجه نحو الأشياء المهمة حقاً هو ما يساعد في المضي قدماً في الحياة سواء كانت العقبة مرض خطير، أو عمل شاق، أو تجربة حياتية قاسية، وطبعاً العمل العميق يدعم هذه النظرة بقوة.

المنظور النفسي: وهذه الحجة مرتكزة على دراسات عالم النفس [ تشيكسنتميهالي ] الذي أصدر مع شريك له عدة دراسات لدراسة ارتباط المشاعر بجودة الأعمال التي يقومون بها، وتوصل إلى نتيجة قد تكون غريبة ومعاكسة للنظرة العامة السائدة للفراغ والعمل وهي: “الناس يُعتبرون أسعد حالاً في العمل وأقل سعادة في حالة الاسترخاء” وهذا يدحض فكرة أنّ العمل العميق مرادف للضغط والتوتر والقلق المستمر، بل قد يكون الانغماس في عمل عميق منتج هو أفضل حلّ لمعالجة التوتر والقلق.

وهناك دراسات علمية تُثبت الرابط بين السعادة وحالات التدفق أثناء العمل* مراجعة كتاب [ flow ] .

المنظور الفلسفي: والحجة هذه المرّة مستندة إلى أفكار كلاً من [ دريفوس ] و[ كيلي ] اللذان نشرا كتاباً بعنوان
[ all things shining ] ويطرحان فيه نظرية القداسة والمعنى على مرّ تاريخ الثقافة البشرية، والخلاصة أنّ الشيء الذي منح المهن القديمة [ اليدوية بشكل خاص] أهميتها هو هالة المعنى الذي تقدمه للبشر بشكل ملحوظ
[ فالحدّاد يرى أثر صنعته فوراً بعد الفراغ من عمله، والنجّار كذلك وسائر المهن اليدوية ] على عكس الأعمال المعرفية المعاصرة التي ربما أخذت وقتاً طويلاً في رؤية الأثر، فيقولان: “ليس هناك شي جوهري فيما يخص الحرف اليدوية عندما يتعلق الأمر بتوليد مصدر محدد للمعنى، وأي مسعىً سواء بدني أو ذهني يدعم مستويات عالية من المهارة يمكن أن يولد شعوراً بالقدسية”.

الخلاصة: أنت لا تحتاج لعمل نادر، بل تحتاج إلى رؤية نادرة لعملك:

العمل العميق يساهم في خلق شعور بالمعنى للعمل الذي تؤديه سواء كان مهنياً أو يدوياً أو ذهنياً، ويحوّل العمل المعرفي إلى شيء يمنحك الرضا ويملئ عالمك بالأشياء البراقة والرائعة.

القواعد:

القاعدة رقم 1:

العمل بعمق

“للأسف تحوّلت الرغبة  لتصبح هي القاعدة بدلاً من أن تكون استثناء”.

بهذه العبارة التراجيدية بدأت القاعدة الأولى من أساسيات العمل العميق والتي تؤكد أن إنسان العصر الحديث أصبح مشتتاً بامتياز.

المعرفة النظرية سهلة لكن التطبيق العملي صعب، كلنا نعرف أن العمل العميق شي حيوي ومهم وأن التشتت مضر وسلبي، لكن من منا يتخد خطوات جدية لتجاوز هذه العقبة؟  هذا ما يريد هذا الفصل ترسيخه.

لعل أفضل فكرة في هذا الفصل هي:
[ أنت تمتلك قدراً محدوداً من قوة الإرادة، ينفد كلّما استخدمته ] أيّ أن قوة الإرادة ليست شيئاً خارقاً يكون معك طوال الوقت.

لذا فالانتقال من العمل السطحي للعمل العميق يكون شاقاً على النفس ( لأنه يستهلك قدراً كبيراً من الإرادة ) على عكس الانزلاق من الثاني للأول.

فالخطوة الأولى هي تحديد فلسفة عمقك ( يعني ماهو الغرض الرئيسي من اتباعك لسياسة العمل العميق؟ )
لأنّ أعمال البشر ليست واحدة وليس هناك أسلوب يصلح للجميع، وعليه اقترح الكاتب 4 طرق للبدء في العمل العميق:

  1. فلسفة الاعتكاف في جدولة العمل العميق:
     والتي تعني الانقطاع الكلّي عن كل المشتتات والمشاغل بهدف العمل، ولكل شخص طريقة في ترتيب هذا الانقطاع إما إخبار الآخرين أنك تريد ذلك، أو الانقطاع فجأة دون إنذار. ( مثال ذلك الكاتب الشهير ستيفنسون ) يراجع الصفحة 107-108 .
  2. فلسفة الازدواجية في جدولة العمل العميق:
    هنا أنت لست مضطراً للانقطاع الكلّي لكنك تسعى لتقسيم وقتك بجدية، بحيث يكون لديك وقت مخصص وقيّم ولا يُتنازل عنه للعمل العميق، وفي الوقت الباقي يكون لديك باقي الأعمال أو للقيام بالأشياء التي تميل النفس لها
    ( وأنا أعرف كثيرين من المنتجين يتبعون هذا النهج ) ومثال هذا عالم النفس الشهير يونج .
  3. فلسفة التناغم في جدولة العمل العميق:
    والتي تنص على أن أسهل وسيلة للبدء بانتظام في جلسات العمل العميق هي أن تحوّلها لعادة منتظمة بسيطة دون انقطاع، أو ما يعرف باسم ( السلسلة المتكررة ).
  4. فلسفة الصحافة في جدولة العمل العميق:
    وهذا النوع قد يكون خاصاً ببعض الأشخاص الذين لديهم قدرة عالية جداً على التركيز والتنقل بين الأعمال بحيث يضعون جهدهم كلّه في إنجاز ما يريدون دون تشتت، ثم يعودون للحياة العامة ثم ينغمسون متى ما واتتهم الفكرة وهكذا . مثال هذا النوع الصحفي الشهير إيزاكسون.

لا ريب أنّ لكل شخص طريقة معيّنة، لكن حاول أن تجرب إحدى هذه الطرق لتجد أيها أفضل بالنسبة لك.

والأفضل أن تتخذ طقوساً خاصة بك حسب وضعك وظرفك، دون انتظار للحظة الإلهام التي لن تأتي.( مثل تحديد أين ستعمل؟ ومتى؟ وكيف ستقيس جودة إنتاجك وكيف ستدعم نفسك في حالة التوقف؟ )

الفكرة الأخيرة في هذا الفصل هو القيام بتغييرات كبيرة، مثل تغيير بيئة العمل بشكل جذري، فإنّ الزيادة في الأهمية تقلل غريزة عقلك التي تدفعك نحو المماطلة وتوفر لك جرعة تحفيز وطاقة. ( مثال ذلك: الكاتب آلان لايتمان ) و ( بيتر شانكمان ).

وضع المؤلف نصائح من كتاب [ الضوابط الأربعة للتنفيذ ] يراجع هناك تحت بند نظرية الـ 4DX   خلاصتها ( ركز على المهم جداً – اعمل على إجراءات التقدم – احتفظ بلوحة نتائج مقنعة – ابتكر ايقاعاً من المحاسبة ) .

كن كسولاً

من ألطف الفصول الفرعية في الكتاب ويدعو فيها الكاتب إلى اتباع نظرية مفاداها أنّ “الكسل ليس مجرّد إجازة أو تحرر أو إثم، إنّه ضروري للعقل مثل فيتامين د للجسم، والحرمان منه يجعلنا نعاني محنة عقلية مدمرة، فهو للمفارقة ضروري لإنجاز أي عمل”.

ويقصد به الكسل الموجّه الذي تقوم به وأنت تعرف أنك كسول ( وليس الحالة العامة للكسل التي يقع فيها الناس نتيجة تقصير منهم ).

ولهذا الكسل 3 فوائد:

  1. التوقف يساعد الرؤى ( ويساعدك على رؤية الصورة كاملة بشكل أوضح ).
  2. فترة التوقف تساعد على إعادة شحن الطاقة المطلوبة للعمل العميق .
  3. العمل الذي يحلّ محل توقف المساء عادة لا يكون بهذه الأهمية.

ورقم 3 غرضها التأكيد على إغلاق أعمالك ومشاغلك في ساعة معينة وإلزام نفسك بعدم العمل بعدها مهما جرى، اللهم إلا في حالات الطوارئ القصوى.

القاعدة رقم 2 :

تقبل الملل

الملل ركن أساسي من حياتنا اليومية، والعمل العميق في أصله ليس حرباً عليه بل هو الوجه المشرق الآخر له، ونحن حقيقة غير مطالبين بالقضاء عليه بشكل كامل؛ بل فهمه، والعيش معه، إضافة لاستخدامه في صالح ترسيخ عادات العمل العميق.

ولفهم الملل علينا التأكيد أنّ ” القدرة على التركيز الشديد مهارة يجب التدرب عليها” فليس هناك تركيز عالٍ من المرة الأولى ( وهذا يدعم فكرة محاربة الملل الجزئي ).

لذا فاعتياد عقلك على التشتت يجعلك تنزلق نحو الملل بسرعة، وهذا ما يبرر قيامك بتصفح جوالك الذكيّ أثناء الانتظار، بحجة الاستفادة من الوقت، وفي الواقع أنت غير معتاد على الجلوس بدون عمل أي شيء أو مجرد الانتظار الخالي من العمل السطحي.

وعليه فالخطوات التالية تهدف إلى أمرين: 1- تحسين قدرتك على التركيز الشديد. 2- التغلب على رغبتك في التشتت.

الخطوة الأولى: لا تأخذ فترات راحة من الملهيات، بل خذ فترات راحة من التركيز

الانتقال من حالة التشتت لحالة التركيز ممكنة لكنها شاقة؛ لأنها تحمل في طياتها “رواسب الانتباه ” التي تكلمنا عنها في الفصل الأول، ولأنك بمجرد اعتيادك على الملهيات يصبح الانجرار لها أسهل.

فلو أردت مثلاً تدريب نفسك على عدم ولوج الإنترنت لنصف ساعة فالوقت بين عزمك على البدء حتى نهاية الفترة تسمى [ فترة المقاومة ] ومن الضروري عدم كسر هذ الحلقة، لأنها مهمة في بناء عادة الالتزام.

الخطوة الثانية: رتب وقتك ليكون فيه مساحة خالية تماماً من الإنترنت ( ولتكن بعد العاشرة مساءً ) لا تدخل فيه أبداً مهما جرى.

خلاصة القول: ” من أجل تحقيق النجاح في العمل العميق عليك بضبط عقلك كي يجد راحة في مقاومة المثيرات الملهية، وهذا لا يعني أن عليك التخلص من السلوكيات الملهية، بل يكفي التخلص من قدرة تلك السلوكيات على سرقة انتباهك.

والفكرة الأخيرة في هذا الفصل هي ممارسة التأمل الإنتاجي أثناء المشي أو ممارسة الرياضة بشرط أن يكون “تأملاً واعياً ” ومنتجاً لحلول مشاكل وليس مجرد شرود وسرحان في قضايا لا فائدة منها.

ولتدريب الذاكرة على هذا الفعل ينصح بقراءة فصول من كتاب [ رقصة القمر مع آينشتاين ] لجوشوا فوير .

القاعدة رقم 3:

الامتناع عن وسائل التواصل الاجتماعي:

المؤلف من أنصار البعد تماماً عن وسائل التواصل الاجتماعي فهو لا يملك حساباً في أي منصة تواصل ( تويتر فيس انستا سناب ) وليس لديه سوى إيميل شخصي للعمل ومدونة ينشر فيها أبحاثه ومقالاته، وقد يكون هذا تطرفاً منه لكن لديه أسباب شرحها في هذا الفصل وأثناء الفصول اللاحقة، ويقول إنه لا يُلزم أي أحد بتركها كلياً لكن يوضح لك أثرها ومن ثم يترك لك القرار في البقاء أو المغادرة.

بداية يوضح إنّ كل منصات التواصل هي [ أدوات ] وكونها أدوات فهي لها غرض معيّن تؤديه، ومتى انقلبت الآية فأصبحت الأداة غاية  وقع المحظور، ويقول إن الناس لديهم طريقتين لعلاج هذا الإدمان:
الطريقة الأولى : الانقطاع المؤقت لفترة مؤقتة
الطريقة الثانية: أخذ راحة صارمة لفترة طويلة

ويؤكد أن كلتا الطريقتين غير مجديتين على المدى البعيد لأن أثر التعلق سيبقى موجوداً، والحل برأيه هو اختيار منطقة وسط لاختيار أدوات الإنترنت في فهم العملية المتبعة في اتخاذ القرار الافتراضي ( بالبقاء أو الرحيل ).

ويقترح بدلاً عن الاستغناء الكلي أو المؤقت عنها مقارنة المكاسب الحقيقية بالخسائر المحققة ( الخسائر التي ربما تكون التشتت وقلة التركيز وعدم القدرة على العمل العميق بشكل فعلي ). ويضرب أمثلة لكتاب وفنانين ومشاهير ليس لديهم حسابات في وسائل التواصل وهم مرتاحون في ذلك ( أمثال جلاوديل ولويس وباكر ).

ويقترح اتباع نمط جديد للتعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي سمّاه [ قانون القلة الحيوية ] والذي يقوم على ركيزتين أساسيتين في فهم هذه الأدوات:

  1. تحديد الهدف المهني بدقة من الحضور في وسائل التواصل الاجتماعي.
  2. تحديد الأنشطة  الداعمة لهذا الهدف.

بعد تحديد الهدف المهني والأنشطة الداعمة سيكون لديك تصوّر عام عن فائدة وجودك في هذه المنصات من عدمها.

ويضع في نهاية هذا الفصل تجربة عملية للتخلص من الإدمان الرقمي خلاصتها التالي:

سجل خروجك من كل حساباتك على وسائل التواصل الاجتماعي بشرط عدم إخبار الناس بهذه الخطوة، ولمدة 30 يوم كاملاً  ( يفضل حذف التطبيقات لمنع النفس من الانجرار للوقوع في فخ العودة قريباً ).

بعد مضي الأيام الثلاثين اسأل نفسك السؤالين التاليين:

  1. هل كانت الأيام 30 لتصبح أفضل بشكل ملحوظ لو كنت قد تمكنت من استخدام الخدمة؟
  2. هل اهتم الناس بأنك لم تكن موجوداً؟

لو كانت الإجابة بلا في الحالين فالترك لها يجب أن يكون سهلاً ، لو نعم ابقَ، لو بين نعم ولا عليك أن تراجع أيها أكثر تأثيراً للترك والبقاء.

عموماً هذه الخطوة جربتها بنفس ولها ميزات كثيرة، وليس كل الناس يقدر عليها، لكنها مهمة حقاً في معرفة أثر هذه المنصات على النفس، ولا يشترط أن تكون مشتركاً في كلّ المنصات، وان تكون حاضراً فيها بشكل كثيف.

يراجع في هذا الفصل كتاب [ مصيدة التشتت  ]

الخلاصة : لا تستخدم الإنترنت لتسلية نفسك، أعرف أن هذا الأمر صعب لأن 80% من المواقع مصممة أساساً لسرقة انتباهك وتفاعلك.

لذا فالحرب بينك وبينها ستبقى قائمة حتى تقرر ضبط نفسك في حسن التعامل معها.

“إذا كنتَ تريد التخلص من الانجذاب الإدماني تجاه المواقع الترفيهية التي تستنزف وقتك وانتباهك فاشغل ذهنك ببديل جيّد، فهذا لن يحافظ على قدرتك على مقاومة الملهيات فحسب، بل سيجعلك قادراً على تحقيق متعة التركيز والعيش بدل من مراقبتها”.

القاعدة رقم 4 :


الحدّ من السطحية

هل بالإمكان تقليل ساعات العمل في مؤسسة ما مع بقاء ذات الإنتاجية والجودة؟ الجواب ببساطة نعم، وهذا ما حصل في شركة برمجيات [ بيسكامب ] حيث خفض العمل فيها إلى 4 أيام في الأسبوع فقط ومع ذلك بقيت الإنتاجية عالية بل وزادت!

السبب في ذلك هو أن كلّ عمل يتبع نظرية باريتو ( 80-20 ) الشهيرة، ولو قمنا بالتخلص من الأعمال السطحية وتحويل الجهود للعمل المنظم المركز لاستغنينا عن ساعات كثيرة مهدرة، واستبدالها بساعات ذات جودة عالية.

والغرض من هذا الفصل ليس التخلص من العمل السطحي بشكل كلّي بل التحكم في تأثيره على باقي العمل وتقليصه لأقل حد ممكن.

ويقترح لذلك الأمر حلول عملية:

  1. جدول كلّ دقيقة في يومك: قد تبدو الفكرة غريبة لكنك بعد استخدامك لها بأسبوع أو اكثر ستجد فائدتها على مستوى إنتاجك من خلال تعرفك بالضبط على مواضع الهدر في يومك.
  2. تحديد عمق كل نشاط تقوم به : غالبنا يبالغ بقيمة الأعمال التي يقوم بها، ولو دققنا فيها لوجدنا أن أغلبها أعمال روتينية يمكن الاستغناء عنها.
  3. انتهِ من عملك في ساعة محددة من اليوم اجعل هذا شعار دائم لك، ولا تساوم على أي دقيقة خارج هذا الوقت.
  4. كن صعب المنال ( أي لا تجعل الوصول إليك سهلاً دوماً ) .
  5. لا تجب على الرسائل فوراً إلا إذا كانت واضحة ومحددة وفيها قيمة.

الخاتمة: إن ترك الجموع المشتتة من أجل الانضمام إلى القلة المهتمة بالتركيز هو تجربة تحويلية في حياتك وتستحق الخوض.

خلاصة الكتاب يمكن أن تُدرج في الفقرات التالية:

  1. العمل العميق مهم ونادر وله آثار عملية على مسيرتك المهنية.
  2. التشتت حقيقة واقعة وكلنا قد نقع ضحايا له وليس مطلوباً منا التخلص منه بشكل كامل بل حسن التعامل معه .
  3. وسائل التواصل الاجتماعي أدوات مصممة لجذب الانتباه والإدمان، معرفتك بهذا الأمر يخفف من سلطتها عليك.
  4. قوة الإرادة محدودة وتنفد بالاستخدام.
  5. التدرب على العمل العميق يحتاج لوقت وصبر وليس في طرفة عين.
  6. رواسب الانتباه أبرز مخاطر التشتت [ وخصوصاً عند مدمني الانتقال بين المهام ] .
  7. يمكن لك النجاح دون اتباع نظرية العمل العميق وهناك أمثلة لذلك، ولكن فوائد العمل العميق لا يمكن أن تقارن بالحالات الأخرى.
  8. ليس هناك قواعد عامة تصلح للجميع، بل عليك أن تبتكر شروطك الخاصة حسب ظروفك.
  9. ربما يكون الكاتب مبالغاً قليلاً بشأن العمل العميق كونه بنى لبّ الكتاب على تجربته الشخصية، لكن هذا لا يقلل من أهميته.
  10. الكتاب ليس كلّ شيء، لكنه يمدك بإرشادات ولفتات مهمة وثمينة.

الكتاب من تأليف “كال نيوبورت” الطبعة الأولى 2018 _ إصدار مكتبة جرير_

الساروت.. الرحيل المرّ

الساروت.. الرحيل المرّ

” لم يكن تحوّل الساروت إلى بطلٍ شعبيٍّ أو أسطورةٍ من نتاجات المخيلة الشعبية التي تضفي على أبطالها صفاتٍ خارقةً فوق بشريةٍ غير موجودةٍ فيهم أصلاً. لم يقسر اسم الساروت المخيلةَ الشعبية السورية على ابتكار الحكايا المتخيلة عنه. لكنه، وببساطةٍ غير متوقعةٍ من شابٍّ في عمره، قدَّم من صفاته وسلوكه للأسطورة كلّ عناصرها لتتكامل بصفتها أسطورة”.

ستبكيك أزقة الخالدية، وشوارع بابا عمرو، وساحات البياضة، وخنادق القصور، وأبنية حمص المحاصرة المهدّمة.

كما في كلّ مرّة، يهوي عمودٌ من أعمدة الثورة بفقد أحد رجالاتها الأبطال، حجي مارع، وأبو فرات، وباسل شحادة، وغياث مطر، وهادي الجندي، ورائد الفارس..
والآن.. باسط!!

من عايش أحداث الثورة السورية من بدايتها يعلمُ يقيناً أنّ “أبا جعفر” لم يترك مكاناً يُتحرّى فيه الشهادة إلا وسبقَ إليه، بدءاً من مظاهرات الخالدية السلمية إلى اعتصام الساعة الشهير، مروراً بالأناشيد في بابا عمرو، وصولاً إلى الذود عن مدينة حمص في حصارها الأخير، وأخيراً في ساحات القتال في الشمال السوري.. ومع مروره بكل هذه المحطّات كان الله بحكمته ينجيه من الموت، والاعتقال، وكأنّه_تبارك اسمه_ يخبئ له موتاً يليق بنضاله الشرس، وطويته النظيفة الشفافة التي ما غيّرها منذ صدحت حنجرته أول مرّة بإسقاط النظام.

من حراسة المرمى إلى حراسة الثورة

ولد عبدالباسط في حمص عام 1992، وكان ككل الشباب في عمره مهووساً بكرة القدم، تلك اللعبة الشعبية التي تمثل بوابة الأمل للطبقة الفقيرة والمتوسطة لسكّان مدينة حمص، التحق بصفوف نادي “الكرامة” ليصبح الحارس الرسمي لفريق منتخب شباب سوريا، وما إن بدأت أولى أحلامه بالتحقق، حتى انهار هذا الحلم على وقع الدبابات التي قصفت مدينته، وقتلت أصدقائه، وهجّرت أهله، فكان بين خيارين؛ أن يُكمل في رحلة نجوميته ضارباً بكل ما جرى عرض الحائط، أو أن يتخلّى عن حلمه لصالح كرامته وضميره وإنسانيته. ولم يخّيب “الساروت” الظنّ وفعلاً التحق بركب الثورة، وانشق عن المنتخب الرياضي معلناً ولائه المطلق لثورة شعبه وأبناء جلدته.

ومع أول هُتافٍ للحريّة؛ تحوّل “باسط”إلى بلبل الثورة التي لا تحلو المظاهرات المسائية إلا بصوته، وقد آتاه الله كاريزما فريدة جعلته كالمغناطيس الجاذب لكل أطياف الشعب السوري.

محبوبٌ من الجميع، قريبٌ من الجميع، بلكنته الساحرة، وابتسامته العفوية، وصوته الأجشّ الذي أقضّ مضاجع النظام وشبيحته.

“باسط” كما يحبّ أن يُنادى، كان رجلَ ثورة، بكل فوضويتها وعبثيتها وأملها وصراعها ونضالها، لم يتكلم منطلقاً من أيديولوجيا حزبية، ولا يستشهد بغيفارا، ولم يقرأ لمنظري الثورات، الشارع حرّكه، ونخوته ألزمته، كان بسيطاً عفوياً صاحب همّة، والأهم من كل ذلك كان صاحب ناموس حيّ، هذا الناموس الذي ما خفتَ بريقه طوال 9 سنوات ثورة!

العودة إلى حمص .. بخاطرك يا حمص!

في مطلع الفلم الشهير الذي قدّمه المخرج “طلال ديركي” والمعنون بـ العودة إلى حمص؛ كان بطله عبدالباسط الساروت يحكي رحلة التنقل بين حمص المحاصرة والريف الشمالي لفك الحصار عنها، يروي فيها “باسط” بعفوية وجذالة ما جرى له فيقول:”منذ أول الاعتصام في ساحة الساعة بحمص، كان الأمن ناشراً قناصته على الأبنية المحيطة بالساحة، فقلتُ لأخي متحدياً ارفعني على كتفيك أريد أن أهتف، قال لي: لا تتهور! قلت له: لا عليك ارفعني، فرفعني ثم قلت وكنتُ أول من قال هذا الشعار يومها: اسمع اسمع يا قنّاص.. هاي الرقبة وهي الراس” معلناً موتَ الخوف للأبد!

“لم يُستجلَب الساروت من خارج المكان والزمان، فقد نبت من بين الناس، وحمته عيون الناس، وغالباً هو تخلَّق بشكلٍ لا يتلاءم مع صرامة نظريات الكتب. لم يكن قائداً سياسياً، ولا بطلاً حزبياً، سوّقه حزبٌ ما، أو جبهة أحزابٍ بقرارٍ مركزيّ، طَوَّبته بموجبه كبطل. ولذا، ولذات المقدّمات، لن يستطيع أحدٌ اليوم أن يسحب منه ألقابه. فهو ببساطةٍ بطل الناس، والناس لا تكترث كثيراً أو قليلاً بما يردّده المتعالون عليهم”.

أمام الكاميرا.. خلف الواقع

التقيتُ بعبد الباسط مرتين، كانت تتملكني رهبة أن أحادث أيقونة الثورة وجهاً لوجه، لكن المفاجأة أنّه كان أبسط مما توقعت، وأعلى مما ظننت، “باسط” لم يملك حساب فيس بوك نشط، وليس عنده متابعين ينتظرون منشوراته بلهفة، لكنه حاز على إعجاب الجميع، أكثر بكثير مما أراد، صدقه وضعه في مراتب عالية لم يظنّ هو نفسه أن يبلغها.

أعتقد أنّ كل سوريّ حرّ لديه قصة خاصة معه، بل ويتذكره بشكل شخصي، ولا بدّ أن له ذكرى معه أو صورة، أو حتى صدى هتاف رُدّد وراءه يوماً.. كانت بصمته في نفوس السوريين أكبر بكثير من مجالس وطنية، وائتلافات حكومية، ومن منظمات حقوقية.

كان “إنساناً ” بحقّ، حين عجز الكثيرون أن يكونوا بشراً.

لم يجتمع السوريون منذ مدّة على شيء كما اجتمعوا على محبتك، الكلّ نعاك، حتى الرماديون الذين كانوا يخشون التصريح بمحبتك كتبوا حزناً عليك، أيّ شيء فعلته يا “باسط” حتى جعلَ لك القبول كلّه؟ العيون التي بكتك اليوم لعلّ أغلبها لم يلتقِ بك، وربما لم يعرفوك إلا من صوتك وأناشيدك، لكنهم رأوا فيك الإخلاص والنقاء، رأوا فيك روح الثورة الأولى دون شبهة، رأوا فيك الوفاء للقسم بألا نتخلى عن عهد الشهداء، يوم تخلّى الكثيرون، وتخليّنا.. لكنك لم تفعل!

كنتَ وفياً لنضالك حتى آخر لحظة، لم تغوكَ الشهرة، ولم تفتنك المناصب، قاتلتَ في كلّ جبهة ضدّ من قتلوا أهلك، قدّمتَ إخوتك الخمسة قبلك، وعدتَ لأمّك المكلومة تقول لها: قسماً يا أمّاه لأنتقمنّ لهم! من يُخبر الخنساءَ أمك اليوم برحيلك؟ كيف يقوَى قلبها على تمسيد شعرك وأنت موسّد في الثرى! لمن تتركها يا باسط؟

رحلتَ عنا بعد اشتباكٍ من المسافة صفر، كان الموت أقرب لك منّا، تأخرتَ كثيراً عن رفاق دربك، شهداء المطاحن ينتظرونك هناك.. أسراباً أسراباً ينتظرونك أيّها البطل!

حين خرج الشباب من حمص المحاصرة كتبتُ:

لماذا نُحبهم؟! لأنهم متخففين من ثقل الأيديولوجيا، وعبء التاريخ، وضغط الواقع المرّ، وحمولة الإرث القديم. لأنهم أنقياء كالشمس، أخفياء كالظل!

كنتُ أعنيكم يا باسط! كنتُ أعنيك والله!

نحبّكم وإن قصّرت أعمالنا عن اللحاق بكم.. نحبكم!

إرشادات قرائية خالية الدسم

إرشادات قرائية خالية الدسم

أثناء تجوّلي في منصات التواصل الاجتماعي، أمرّ غالباً بترشيحاتٍ لكتب ومقالات لفتت نظر القرّاء أو حازت على إعجابهم، وهنا “يلعب فار القراءة في عبّي” هل أثق بكلامهم وترشيحهم؟ أو أتجاهل كلامهم؟ ولو تجاهلت هل سيفوتني متعة ما حصّلوه؟ ولو فاتني هل سأقنع بما عرفت؟ وسلسلة لا نهائية من الـ “هلاّت” التي تلتهم عقلي الفضولي.

هذه الحيرة لا بدّ لها من سكّين يقين يقطعها، وقد وجدتُ هذه السكّين صدفةً وأثبتت نجاحها بنسبة تفوف الـ 89,56% في اختيار الكتب وقراءتها والتمتع بها.

الأسرار مجرّبة بشكل شخصي لكن لا يعني أنّها ناجحة مع الجميع، فكما تعرفون التجربة الشخصية هي الدليل الأضعف بين الأدّلة العلمية إذا ما وُضعت في سياق التعميم، بل جلّ مافيها أن تؤخذ للاستئناس والمكاشفة.

1- لا تثق بكلام الخبراء

“الخبير في القراءة” لقبٌ لم يحزه إلا قلّة من البشر، وليس كل من قرأ كتابين أصبحَ خبيراً بها. الأمر أعقد من ذلك كما تعلم، ومع هذا أقول لك: لا تسمع لآراء الخبراء كثيراً واجترح تجربتك القرائية بذاتك.
نعم استرشد بآراء من تثق بهم من الأصدقاء والمعارف، لكن لا تجعل كلامهم قبلةً لك فيما تقرأ.

2- ابدأ من الخلف

كثيرة هي النصائح التي تطلبُ منك الاطلاع على اسم الكتاب، والمؤلف، والفهرس، وأن تأخذ جولة عامة في الكتاب، في المرة القادمة جرّب هذه الخدعة، خذ كتاباً وافتح على آخر 5 صفحاتٍ فيه واقرأ، إن شعرتَ بما يشدّك إليه عد للبداية وأكمل القراءة، جرّبتُ هذه الخدعة مع بعض الروايات وكانت تجربة ممتازة
هنا سلسلة لطيفة لنهايات روايات عالمية، ما رأيك أن تأخذ جولة؟ 

3- العشوائية المنظمة:

gettyimages-478186903-1200x800

امسك كتاباً ما، وافتح على صفحة عشوائية فيه، لتكن الصفحة 87، اقرأ منها هل تفهم شيئاً؟ هل تشعر بانسجام تام معها؟ إذا كان الجواب نعم؛ انتقل لصفحة أخرى، 114 مثلاً.. ها ما شعورك؟ انسجام؟ جميل جميل.. أكمل مع صفحة عشوائية أخيرة ولتكن 221، إذا كان شعورك ذاته فيبدو أنّ الكتاب سينال إعجابك. خذه واقرأه.

4- اجعل منصة الـ goodreads  في الأخير:

goodreads-logo-1024x576-7abf5bd8d98b9d10

كثيرون حين يواجهون عقبة قراءة كتاب لم يسمعوا به من قبل يكون أول تصرّف منهم التوجه نحو الموقع القرائي الشهير ( goodreads  ) لقراءة آراء الناس عنه، وللأمانة أحياناً يكون كلام الناس عن الكتب سبباً قوياً في النفور/ الإقبال عليه، لكن لا ننسى أنّ آراءهم هي [ انطباعات شخصية ] وليست نقداً محكّماً، فما يعجب الآخرين لا يشترط أن يعجبك.ولأنّ كثيراً من الكتب تُظلم من بالتقييم الشخصي، أحبّ لك أن تخوض التجربة بنفسك.

5- ثق بحدسك:

كما أقول إنّ عناوين كثير من الكتب مضللة، في الجهة المقابلة عليك أحياناً أن تثق بحدسك في معرفة الكتاب إن كان يناسبك أو لا. جرّب أن تقلّب العنوان في عقلك، وأن تستشف منه المحتوى، في غالب الكتب العنوان يكون يوحي بالمضمون لكن بطريقة غير مباشرة. خذ كتاباً لا تعرفه أبداً، ولم تسمع بكاتبه إطلاقاً وليكن [ لو أنّ مسافراً في ليلة شتاء ]  لإيتالو كالفينو303573
ماذا تتوقع أن يكون؟ ( وضعتُ لك طُعم بالمناسبة).

 6- اقرأ

books-bright-contemporary-1122530

لا تنتظر أن يأتيك الوقت المناسب، ولا الحالة النفسية، ولا الفراغ. طالما وصل الكتاب إلى يديك اعتبره رسالة، واقرأه، وإذا مللتَ منه اتركه وانتقل لغيره. لا تجعل القراءة وكأنّها “واجباً ثقيل الظلّ عليك” بل اعتبرها “متعة إضافية” و “لعبة أنتَ تختار قواعدها”.

إذا كنتَ محتاراً بأسماء الكتب، سأضع بين يديك سلسلتين فيها أكثر من 200 عنوان، وما عليك إلا أن تجرّب حظك فيها. من يدري.. لعلّ الكتاب الذي يلتهم عقلك موجود هنا! 


القائمة الأولى وفيها أسماء 100 كتاب عن الكتاب

القائمة الثانية وفيها أسماء أكثر من 60 كتاب عن القراءة هنا

لا تنسَ القاعدة رقم ( 1 ) كما اتفقنا 🙂

 

 

 

ذاكرة الحكّائين.. السرّ في مطبخ الكتابة

ذاكرة الحكّائين.. السرّ في مطبخ الكتابة

الذي يودّ تعلّم الكتابة بمحض إرادته، قطعاً يتعلمها إن عثرَ على من يعلّمه قوانينها

الكتابة عن الكتابة ممتعة، وحين تصدر من أديب وشاعر متمرّس في الحقل تكون ذات متعة أكبر.

بعيداً عن سطوة الغلاف الجميل الذي كان سبباً مباشراً في الشروع به، إلا أنّه بالمجمل لم يخيّب الظن.

الكتاب مجموعة مقالات منظومة في سلكٍ رشيق، وتدور في فلك الكتابة وعوالم الإبداع، قراءة ونثراً وشعراً، يشرّح الحالات الثقافية التي تصادفنا كل يوم، ويعالج القضايا التي تهمّ القارئ العربي عموماً بلغة سهلة ميسورة.

أجمل ما شدّني في الكتاب هو بساطة الكتابة وعمقها، الكاتب لم يأنف من الحديث عن تفاصيل قد يغفل عنها الروائي الشهير، ويشعر أنّه تجاوز هذه المرحلة من الإجابة عن الأسئلة المعتادة المكررة:

لماذا نكتب؟ كيف نكتب؟ لماذا نقرأ؟ مَنْ مِنَ الكتّاب تفضل؟ ماهي أبرز الكتب التي نالت استحسانك؟ وغيرها.

والأستاذ أمير تاج السرّ لا يخفي ميله لصنفٍ من الكتابة أسماها [الكتابة التخيلية ] المبنية على عوالمٍ سردية خيالية، تستند في جزء منها للواقع، لكنها لا تبني عمارتها منه بشكلٍّ كامل، وفي نفس الوقت لا يستنكر أنماط الكتابة الأخرى ويعتبر أنّ الكتابة مدارس مختلفة، والقراءة أذواق محتلفة، وما يعجبني قد لا يعجب الآخرين، وهكذا نكتب ونقرأ ونعيش جميعاً محبّين للآداب بشتى مدارسها.
ولا يخفي امتعاضه اليسير من بعض كتّاب القصص القصيرة جداً، التي يعتبرها تعدياً على الشعر في صورته الأولى، وتشويهاً للكتابة الطويلة [ الرواية ] ومجالاً امتهنه الكثيرون دون أدواتٍ مناسبة، أو مَلَكاتٍ مؤهلة.

برأيي؛ المواضيع الهامة التي تطرّق إليها هي المواضيع التي تجيب عن الأسئلة الخفية وراء الأسئلة المباشرة، تلك التي تغوص في أعماق النفس البشرية للمبدع، وتعرّيه أيضاً أمام جمهوره، فهو إنسانٌ في النهاية وله احتياجات يومية، ويحزن ويغضب، ويبحث عن التقدير والاهتمام والمشاركة، وهذا ما لا يصرّح به المبدع، لكنه مركوز في ذاته.

يتحدث عن “القراءة المغشوشة” وكيف يغدو المرء كتلة حقد على كتابٍ ما دون أن يكلّف نفسه عناء القراءة الجادة، بل ينقد لمجرّد النقد، وعن “ضغط الكتابة وسكّرها” وكيف هي نحتٌ ذاتيٌ، واشتغال طويل منهك، لا يرى القارئ منه إلا صورته النهائية ممثلةً بنصّ إبداعيّ مكتمل الأركان، دون النظر لمراحل الحرق الذاتية التي أنتجته.

ولا بد من الاعتراف أنّ الكتابة لا تمنحُ شيئاً على الإطلاق، لا ثراء ولا نجومية، ولكن تراكمات من العذابات المتصلة، تنتهي بصاحبها إما إلى الجنون أو الموت، من دون أن يحقق شيئاً يذكر، وحتى أولئك العظماء الذين حققوا نجومية ما في الكتابة، لم يصبحوا من الشعبية بحيث يُفلتوا من شِباك الجهل بهم لدى بعض الناس.

ويتحدث عن بعض الكتب التي أعجبته ورأيه فيها، وعن معارض الكتب التي زارها، وعن حركة الترجمة من وإلى اللغة العربية، وعن ضرورة اجتراح وظيفة “المحرر الأدبي العربي” أسوة ببعض دور النشر الغربية التي تُعلي من شأن هذه الوظيفة وتعطيها حقها، دون التعدي على مساحة المبدع الخاصة ودون الخوف من أن يسرق المحرر الأدبي بساط الشهرة من الكاتب، بل هو شريكٌ في النجاح، ومقوّم للعمل، وأكثر الناس معرفة بدقائقه، وعن ماركيز وحبّه له، وكيف يعتبره كاتبه المفضل، ويعود إلى قراءة نتاجه مرّة بعد مرّة، وعن الطيب صالح _ وقد ذكره أكثر من مرّة في الكتاب_ وعن بابلوا نيرودا، وعن دان بروان، ولا ينسى في افتتاحية الكتاب أن يُشيد بعبقرية الكاتب والأديب شوقي بدري الذي يعتبره “شيخاً للحكاية الشعبية البسيطة”.

ويحكي عن نفسه كيف أنّه يقرأ 5 كتبٍ معاً، وأنّه ليس لديه طقوس خاصة للكتابة، بل يكتب أينما اتفق له، على الورق أو على جهاز الكمبيوتر، وليس لديه عداءٌ مع القراءة الإلكترونية وإن كان لا يفضلها كثيراً.

ويفتح صدره وبريده الإلكتروني وحساباته على مواقع التواصل الاجتماعي ( حسابه في تويتر ) يومياً للقرّاء ويسمع منهم، ويستفيد من ملاحظاتهم، ويُدرج قصصَ بعضهم في ثنايا كتبه دون أن يخبرهم، فالقصة حين تُحكى تصبح ملكاً للجميع؛ دون انتهاكٍ للخصوصية، ولا تعريضٍ بالشخوص طبعاً.

لا يخلو الكتاب من بعض المقالات العاديّة، لكنه في مجمله مثير للاهتمام ويستحق القراءة.

المقالات التي أعجبتني كثيراً :

  • نصوص لن تُكتب.
  • كاتب الومضات.
  • أن تستمر كاتباً.
  • المنتج الثقافي مقهور إعلامياً

وفي ثنايا الكتاب ستقع على عناوينَ كتبٍ جميلة، أحبّها أو مرّ عليها، أو لفتت نظره فكانت ضمن دائرة الكتب المفضّلة له.

====

https://platform.twitter.com/widgets.js

أمير تاج السرّ روائي وطبيب سوداني الأصل، ولد في عام 1960 بشمال السودان، وتنقل في البلاد العربية بين قطر والسعودية ومصر،وله أكثر من عشرين مؤلفاً غالبها روايات أشهرها:

( صائد اليرقات) ( إيبولا76 ) ( مهر الصياح ) ( سيرة الوجع ) ( نار الزغاريد ) ( اشتهاء ) ( زحف النمل) ( أرض السودان) ( ضغط الكتابة وسكرها ) ( تحت ظل الكتابة ) وغيرها..
وأول رواية كتبها اسمها كرمكول التي يقول إنه رهن ساعته ليتحمل تكاليف نشرها.

سمعتُ | شاهدتُ لكم

سمعتُ | شاهدتُ لكم

كنتُ قد ألزمتُ نفسي بكتابة تدوينة كل يوم في رمضان، مهما بدت التدوينة سخيفة أو سطحية أو غير جذّابة.

الإلزام سببه عدّة أمور، أولها أنّ لي مدة لم أكتب شيئاً شخصياً في المدونة؛ وهذا أمر غير صحيّ،  والأمر الآخر؛ هو الاعتياد على الكتابة اليومية بدل الاقتصار على النشر اليومي في وسائل التواصل الاجتماعي الذي تحدثت عنه هنا في هذه التدوينة.

ولأنّه كما يقولون “ماعندي سالفة”  اليوم فكّرت في ترشيح حزمة من البرامج اللطيفة التي أتابعها في رمضان.

أحرصُ أن تكون هذه البرامج لا تحتاج إلى كبير تركيز، ويمكن للمرأة مشاهدتها/سماعها وهي تعمل أو تطبخ أو تمشي أو تزحف ( وراء أولادها يعني ).

ويمكن للرجل أيضاً مشاهدتها قبل العمل أو بعده أو أثناء المشي للتراويح أو بعد العودة منها.

1- اللغة العالية مع عارف حجّاوي:

أنا منحازٌ لأستاذنا عارف ( ويصحّ أن تقول متحيّز ) لأني خبرته عن قُرب، وأحببته لخصالٍ كثيرة أبرزها علمه ودماثة خلقه، وتواصعه، وتبسّطه مع الآخرين.

في برنامجه “اللغة العالية” الذي هو اسم كتابٍ له أيضاً، ستحصل على المتعة والفائدة والطرفة وتقوّم لسانك الفصيح.

كل صباح أبدأ وجبتي اليومية بـ 24 دقيقة معه، فهل تحبّ أن تجرّب؟

2- مِسكين مع وجدان العلي:

نفحاتٌ وجدانيّة عالية، موشّاة بلغة أدبية رقراقة، تنداح بين الأدب والعلم والتربية والسلوك والخلق الراقي، وأستاذنا وجدان تلميذٌ أريب للعلاّمة “محمود شاكر”، قبسَ من نوره، وتغذّى من علمه.

3- مع نفسي [ الدكتور عبدالرحمن ذاكر الهاشمي ]

أحبّ الدكتور عبدالرحمن، وأحبّ سعيه ومشروعه وتربيته، في هذه الجَلسات القصيرة ( 20 دقيقة ) نتعرّف أكثر عليه، وعلى مشروعه، وعلى أبرز الأسئلة التي تدور في نطاق العلاج النفسي، ومتى يكون المرء بحاجة حقيقة للذهاب للطبيب، وهل هناك استفادة فعلاً من جلسات العلاح النفسي؟ إضافة لمواضيع مميزة ومفيدة وبأسلوب لطيف وهادئ.

بالمناسبة للدكتور قناة على التلغرام [ فقه النفس.. مكاني]  يبث من خلالها أبرز محاضراته ودوراته ودروسه الأسبوعية.

4- منصّة منصت:

شعارها [ احفظ وقتك ] وهي فعلاً كذلك، ترتّب لك يومك، وتصحبك برفقة عدد من العلماء في رحاب العلم الشرعي المؤصّل، وكل ذلك ضمن برامج يومية منظمة، وسهلة.

ما عليك إلا الالتزام والفائدة مضمونة بإذن الله.

في رمضان لديهم مشروع سماع اسمه [ فإني قريب ] يمكنكم متابعته على الساوند كلاود أو اليوتيوب 

photo_2019-05-04_22-38-34

5- الموهوبون في الأرض مع بلال فضل:

للأسف أنّ هذا هو الموسم الخامس والأخير من البرنامج، وفيه يتحدث بلال عن الفنانين عموماً عبر سرد لذيذ لمحطات حياتهم، قد لا تكون مهتماً كثيراً بحياة الفنانين، لكن طريقة والمعلومات المحترمة التي يعرضها بلال تجبرك على الاستفادة منه ومن خبرته الطويلة في المجال، وجهده في الجمع والتدقيق ليست هيّنة.

هذا ما أردتُ قوله في هذه التدوينة.. شكراً لكم.

حين تتفوق الساقية على النهر

حين تتفوق الساقية على النهر

صدحَ “العصفور الأزرق” بأولى تغريداته وبالتحديد في 21 آذار 2006م بتغريدة من جاك دورسي معلناً بداية عصر كتابة جديد، ومنذ ذلك الوقت تقلّصت مساحة الكلمة المؤثرة لتغدو مصبوبة في 140 حرفاً ( قبل أن يسمح لها بأن تتمدد لـ 280 قبل سنة  تقريباً).

بعد سنة تقريباً دُشّن ما يعرف باسم [ الوسم/ الهاشتاغ ] ليُجترح مصطلح جديد سيكون له تبعات كثيرة أبرزها فكرة [ الترند] التي سترفع أقواماً وتضع آخرين.

ومع اعتياد الناس على مواقع التواصل الاجتماعي وتويتر بشكل خاص أضحت الكلمة السريعة المختصرة، والخبر المباشر هو المفضّل لدى غالبية المتابعين، حتى إنّ بعض المحللين أجروا دراسة على أكثر التغريدات حصولاً على تفاعل مضاعف فوجدوا أنّ التغريدات التي لا يتعدى عدد حروفها 80 حرفاً هي الأكثر تفاعلاً ومشاركة.

هذه “الكبسلة” للأفكار والعلوم والاختصار المخلّ أحياناً جرّ وراءه تبعات؛ بدأت تظهر جلياً في المتلقي.

فالقارئ أصبحَ ملولاً بشكل كبير، ولا يقدر على قراءة 6 أسطر متتالية دون أن يصيبه الملل والسأم، لذا تراه يفزع إلى تويتر ليجد النكتة الحاضرة، والصورة البسيطة، والخبر السريع.

طبعاً لا يعني هذا أنّ تويتر شراً محضاً، لكن هذه المنصة وغيرها أيضاً تحوّلت غايتها من كونها منصة لتداول الأخبار السريعة والتسويق للذات أو للأفكار أو المنتجات، إلى غاية بحد ذاتها للحضور والمشاركة الفورية، وبالتالي فقدت كثيرُ من الأفكار قيمتها باستسهال تداولها أو بالتعبير الباوماني* [ سيولتها ] فالكتابة حاضرة ودون رقيب، وحتى في الغالب دون محاكمة أو تروي، مما يجعل مجرّد الكتابة غاية بحد ذاتها إثباتاً للحضور.

وقد تنبأ بعض الكتّاب أن تويتر سيسرق الأضواء من المدونات [ الأب الشرعي لتويتر ] لأنّ قارئ المدونات قارئ يبحث عن الفائدة بنَفَس طويل وبعيداً عن ضغط اللحظة الراهنة.

ما أريد قوله في هذه الخاطرة السريعة 4 أمور:

  • إدمان تويتر _خصوصاً_ يحفر في النفس الزهد بالمطوّلات [ قراءة وسماعاً ومشاهدةً ] فيغدو القصير والمركّز هو المطلوب دوماً بحجة الهضم والاستيعاب، وهذا شيء غير صحّيّ أبداً.
  • المدونات الطويلة والمتوسطة حسب ظنّي لن تختفي، لكن جمهورها سيغدو أكثر نخبوية [ آسف على كلمة نخبوية لمن لديهم حساسية منها لكن القصد أنّ قارئ المدونات هو باحث عنها بعكس منصات التواصل الاجتماعي الذي هو متعرّض لها ].
  • تدوين اليوميات أسلوب جيّد للمحافظة على اللياقة الكتابية المتوسطة والطويلة، بعيداً عن ضغط الإعجاب والتعليق والمشاركة.
  • دوّنوا أرجوكم.. لا تتوقفوا.

إمبرتو إيكو له جملة مشهورة بخصوص مواقع التواصل الاجتماعي وهذه قصتها

نرجو ألا نكون من البلهاء والحمقى الذين عناهم العمّ إيكو..

طبعاً هذه التدوينة لو لم أتوقف عن التغريد خلال شهر رمضان لما استطعتُ كتابتها، وأظنّ هذا أكبر دليل على صحة ما كتبت 😊

===

  • الباوماني: نسبة لعالم الاجتماع الشهير “زيغمونت باومان” صاحبة سلسلة السوائل المشهورة، للاطلاع عليها هنا

 

لسنا بخير

لسنا بخير

في حلقة “بودكاست ثمانية” قبل مدة استضاف عبدالرحمن أبو مالح الدكتور همّام يحيى، كان الحديث معه شيقاً ومفيداً ومؤلماً أيضاً.

أذكر أنّه في معرض حديثه عن الغربة قال كلمة لا تزال عالقة في ذاكرتي، قال: “إنّ الغربة تفرض على المغترب أن يكون كبيرَ نفسه” ويقصد أننا في أوطاننا غالباً ما يكون لنا مرجعية فكرية أو شرعية أو اجتماعية، ومهما كبر المرء في العمر يشعر أنّه في بعض القضايا بحاجة لاستشارة شخص ثقة.

أما في الغربة فهو خلوٌ من هذا السند، إما اكتفاءً بالاستقلال الذاتي، أو نقصاً حقيقياً لهذا السند.

نحن الذين غادرنا بلادنا كرهاً، هرباً من الموت، أو نجاة بأنفسنا من الاعتقال والقتل، فجأة أصبحنا وحدنا أمام الريح، مطلوبٌ منّا أن نكون إخوة وأصدقاء وزملاء عمل، وموظفين في النهار وأزواجاً صالحين، وآباء لطفاء، ومدراء مشاريع صغيرة، ومخططي رحلات.

وفي حمأة هذا السعي الدؤوب الذي لا ينتهي، ألا يحق لنا أن نسأل أنفسنا: ونحن إذا تعبنا إلى من نلجأ؟ حين يعترينا الشك والقلق، حين يأكلنا الندم والخوف، حين نقف على مفترق طرق كيف نقرر الطريق الصواب؟ أليس من حقنا كتفٌ نسند رأسنا المتعبة عليه؟ أليس من حقنا صدرٌ رحب يستقبل أسئلتنا الشائكة، ويهدهد على أرواحنا المتعبة؟

قبل مدّة كنت أمازح صديقي وقلت له: لو تهيأ لك أن تعرض نفسك على طبيب نفسي هل توافق؟ قال لي بلا تردد: طبعاً بشرط أن يكون خبيراً.

أحلامنا المثقوبة، وحقائبنا المبعثرة التي خرجنا بها بعد 7 سنين ثورة آن لها أن يُعاد النظر فيها، علينا أن نعترف أننا تعبنا، هذا التعب مرهون بقدرتنا على الصدق مع أنفسنا أولاً، بألا نخشى نظرة الآخرين لنا، بأن نتخلى عن لعب دور البطولة دوماً، الاعتراف بأننا لم نعد نقوى على حمل كل هذه الأثقال وحدنا.

لسنا بخير، ليس استسلاماً بل اعترافاً، ولعل هذا أول طريق الحلّ.