مروءاتٌ معاصرة

تأسرني مكارم الأخلاق، وفي كلّ مرة أقرأ فيها نصاً تراثياً يشير إليها تعروني نشوة داخلية، وتتحفز النفس لتجربة هذا الشعور.
قبل مدة أنهيتُ كتاباً جميلاً بعنوان [ مروءات معاصرة ] والجميل في الكتاب ليست القصص التي فيه فحسب؛ بل أنّ كل القصص الواردة فيه جرتْ في زماننا هذا، لأنّ الناس حين تسمع قصص الأولين تحسب أنّ الخلق الحسن كان جبلّة في الأولين، لكنه عند المتأخرين(نحن يعني) شبه نادر، هذا الكتاب جاء ليصحح هذه الإشكالية.

ومما جاء في تعريفها:

من كتاب مروءات معاصرة صـ 9
من كتاب مروءات معاصرة صـ 10

أحبّ لكم أن تقرأوا الكتاب لأنه ممتع (أو ماتع) وفيه من الأدب والخلق الرفيع ما يحفز المرء على التخلق بهذه الأخلاق العالية.

اليوم عصراً مررتُ على منشور في إحدى القنوات التلغرامية التي أتابعها، وقفزت في وجهي جملة شعرتُ بأنّها نزلت عليّ كالصاعقة، ليس لأنها غريبة عليّ، لكن لقوة أثرها فيّ، وكيف أننا أحياناً نتعامل مع أحبابنا وأقربائنا ومعارفنا بهذا المبدأ.

تقول صاحبة القناة:

ثم إن آخر ليلة من رمضان ليلة يعتق الله فيها قدر ما يعتق في رمضان كله، فلا يغط حسن ليلة القدر على حسنها فنخسر. وثم إن من أحسن الأخلاق أن يحسن الإنسان خلقه مع ربه سبحانه، وليس من حسن الخلق أن تنتهب حاجتك ثم تولي أو تضعف، بل أن تكون على هدي نبيك صلى الله عليه وسلم “أفلا أكون عبدا شكورا” ولم يبق إلا هذه الليلة والتي تليها وقد لا نتم الثلاثين.

والجملة التي أسرتني هي:

وليس من حسن الخلق أن تنتهب حاجتك ثم تولي أو تضعف

فكم نهبنا وقتَ غيرنا حين مصلحتنا ثم حين انقضت مررنا عليه وكأننا لا نعرفه، وكم نهبنا جهد زملائنا وحين تم لنا الأمر نسينا مشاركتهم، وكم من زوج نسي فضل زوجه عليه في وقت الشدّة بعد أن انتهب منها أجمل سنيّ عمرها، وكم من صديق طعنَ صديقه في ظهره وتولي عنه بعد أن فجعه بصحبته.. والأمثلة كثيرة ولا أريد استيفائها لكني أحبّ لفت النظر إلى هذه النقطة.

لو سُحبت منك كل الفضائل ولم يبقَ عندك سوى “المروءة” فأنت على خير عظيم، فلو وجدتُ نفسك متحليّاً بها فاحمد الله على ذلك.

الأحد27 رمضان 1442هـ الموافق لـ 9 مايو 2021م.

«فتور» الجائحة: حالة الإعياء من الإغلاق

نشر الصديق أنس سمحان في مدونته الشخصية نصاً جميلاً ترجمه عن حالة الإعياء التي ترافق الإغلاق بسبب جائحة كورونا، بعنوان [«فتور» الجائحة: حالة الإعياء من الإغلاق].

أقتبس منه:

يمكننا القول إن الفتور هو الابن الأوسط المتروك بلا رعاية في عالم الصحة النفسية. فهو يقع في منطقة بين الاكتئاب والازدهار، ويمكن تعريفه على أنه غياب العافية. لا تظهر على الشخص أعراض الأمراض العقلية، ولكن لا تكون معافىً عقليًا أيضًا. لا يمكنك العمل بطاقتك الطبيعية. يخنق الفتور مُحفزاتك ويدمر قدرتك على التركيز ويضاعف إمكانية تقليصك لعملك أو لما تقوم به بشكل عامٍ. ويكون الفتور في هذه الحالة، أكثر شيوعًا وأكثر ملاءمة للأعراض من الاكتئاب الشديد، وفي بعض الحالات، قد يكون عامل خطرٍ كبير يؤدي لاحقًا للإصابة بأحد الأمراض العقلية.

أدعوكم لقراءته هنا ومشاركتي آراءكم عنه.

السبت26 رمضان 1442هـ الموافق لـ 8 مايو 2021م.

مصدر الصورة البارزة: unsplash

هل أتاك حديث “#حيّ_الشيخ_جراح”؟

مهما كنتَ بعيداً عن ضجيج السياسة و ضخّ الأخبار اليومية؛ فلا بد أن يكون وصل لسمعك حملات التهجير والإبادة التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي في القدس، وفي حيّ “الشيخ جراح” بشكل خاص.. هذه التدوينة تجميع لبعض المواد الأساسية والمنصات الرقمية المهتمة بالموضوع بشكل يوميّ لتعرف مالا يسعك جهله عن القضية.

متراس

مادة ممتازة مقدّمة من متراس لتعرف ما يجري في القدس: حيّ الشّيخ جراح.. كم مرّة على الفلسطينيّ أن يُهَجّر؟

موقع القسطل AlQastal

صفحة “منى الكرد” على الإنستاغرام

حساب المركز الفلسطيني للإعلام على تويتر

حساب الجزيرة فلسطين

حساب تنوين في الإنستاغرام

شبكة رصد



حساب الأستاذ محمد خير موسى.. وهناك الكثير لكن هذه المنصات تغنيك عن غيرها.

والأهم من كل هذا ألا تعتبر ما يجري أمراً عادياً ولا علاقة لك به.

مصدر الصورة البارزة: Khair_Aljabri

الجمعة25 رمضان 1442هـ الموافق لـ7 مايو 2021م.

كثيرٌ من الكتّاب.. قليلٌ من الكتابة!

“هذا الكم من الكتب العبيطة المنشورة مؤذ يا حودة”

معارض الكتب والمكتبات ودور النشر والبسطات ومتاجر الكتب الإلكترونية تطفح بألوف – ولو أردنا الدقة بعشرات الألوف – من العناوين التي تخرج شهرياً أو سنوياً، والكثرةُ من شيء ليست دائماً دليل جودة، فلمَ هذا الحنق على الإسهال في النشر؟

فرضية الكاتب

كل شخص منا ربما راوده حلم أن يكون كاتباً مشهوراً ويتصدر كتابه قائمة الأكثر مبيعاً (بالنسبة لهذه القائمة هي عندي دليل استهلاك لا دليل جودة الكتاب، بل على العكس غالباً ما يكون تقييمي للكتاب إذا كان في الأكثر مبيعاً= الأقل فائدة)، هذا الحلم الذي أصبح أسهل من أي وقت مضى بسبب سهولة النشر وقلّة التكاليف وسرعة الانتشار ورابطة المشجعين، لكن هذا الحلم – الجميل في أصله- انحرف عند كثير من الناس وأصبح “حاجة ملحّة” وضرورة لسحب الاعتراف الذاتي أمام المجتمع.

النشر للجميع.. والقراءة أيضاً

هناك صنفان من البشر بخصوص النشر – بغض النظر عن جودة المحتوى – الصنف الأول: الذي يشجع مطلق النشر بحجّة أنّها حريّة شخصية، ولكل فرد القرار في أن يقرأ ما يقع بين يديه أن أن يتجاوزه، والصنف الثاني: الذي يرى تقييد النشر بالأهليّة (وهذه الأهلية مكتسبة طبعاً ولها شروط ثانية) وبالتمكّن والجودة.
أنا شخصياً أرى نفسي بين الصنفين، فمرّة أكون مشجعاً للنشر بعمومه، ومرّة أتحرّز منه وأخشى على من يتسرّع فيه الوقوع في وهم التمكّن والشهرة.
عملية نشر الكتب ليست عملية معقدة بقدر ما هي “سوق” فيه عرضٌ وطلب، أعمدته الأساسية: دور النشر، الكاتب، القارئ. ولو فُقدَ عمود من هذه الأعمدة تخللت عملية النشر.
فالقارئ يطمح لقراءة موضوع ما بشكل تفصيلي، فيأتي الكاتب ويملأ هذا الفراغ بمحتوى يرى أنّه يستحق الانتشار، فيتواصل مع دور النشر لطباعة كتابه وضمان وصوله للقارئ.

قد تختلف هذه العملية في الترتيب فتكون البداية من دور النشر بتشجيع الكاتب وحثه على طباعه كتبه بحجّة أن “السوق/ القارئ” يحتاج، وتدور العجلة.
طيب.. أين المشكلة في كلّ هذا؟ ولمَ ننظر للأمر وكأنه جريمة تقترف؟ الحقيقة هناك أبعاد كثيرة لقضية النشر لا تتعلق بالكاتب نفسه بل بالسياق العام الذي يوضع فيه.
وبرأيي هناك عدة مؤشرات تنبّه على ضرر التسرّع في نشر كل محتوى بكتابٍ ورقي:

1- السيء يأخد مكان الجيّد: للأمانة لستُ مع المقولة الشهيرة التي راجت ونسبت للعقاد والتي يقول فيها: “ليس هناك كتابا أقرؤه و لا أستفيد منه شيئاً جديداً، فحتى الكتاب التافه أستفيد من قراءته، أني تعلمت شيئاً جديداً هو ما هي التفاهة؟ و كيف يكتب الكتاب التافهون؟ و فيم يفكرون”.
ولو عرفنا الكتب التي يعتبرها العقاد آنذاك كتباً تافهة لراجعنا المقولة جيداً قبل إطلاقها على عموم ما نراه من كتب قليلة الفائدة.
فالكتاب السيء الذي ينتشر يأخذ فرصة الكتاب الجيّد، والوقت المبذول في تصفحه وقراءته لو صُرف في الثاني لكان أفيد.

2– غرور الشهرة: وهذه تقع لمن يذيع صيت كتابه – أياً كان محتواه – ويربط بين أمرين غير متلازمين وهما: كثرة القراءة للكتاب مع التأثير والرغبة بإنتاج المزيد، لذلك نرى أن بعضهم ينشر في السنة 3 أو 4 كتب، وهذا الرقم ضخم وليس شيئاً عادياً، إلا لو كان المحتوى ذاته مكرراً ويدور المؤلف حول فكرة أو فكرتين في كل كتبه، أو كان جلّه “نسخ ولصق”.
ع الهامش كده، “استغرق امبرتو إيكو في كتابة : اسم الوردة 15 سنة، وبندول فوكو 8 سنوات، وجزيرة اليوم السابق 6 سنوات”. المصدر هنا.

3- التصدّر قبل التحصرم: وهذه مشكلة أغلب الناس وليس الكتّاب فقط، لكنها أكثر سمة بارزة فيهم لأنّ نتاجهم يصل لأيدي أناس أكثر، فبالتالي يصبح تحت الضوء، ويطلب منه الإدلاء برأيه في محافل وتجمعات، ولأنّ حصيلة خبرته الكتابية أو المعرفية قليلة، ويستحي من أن يقول: لا أعرف، ينحدر – إذا لم يكن ذا ضمير حيّ – إلى الهبد والفتي، وترى عبارة [ من تكلم بغير فنّه أتى بالعجائب ] تتلبسه كأنها ثيابه.

اكتبوا ولا تسمعوا لكلامي

يعني بعد كل هذه المقدمة هل المطلوب من الجميع التوقف عن الكتابة والنشر؟ أو لو رأى المرء في نفسه أهليّة لنشر كتابه يتوقف عن ذلك؟ طبعاً لا؛ ولم أقصد هذا بكلامي مطلقاً، بل القصد أن يعرف كل امرئ قدره على التحقيق، ولا يتشوّف كثيراً لنشر كتابه الأول وكأنّه إنجاز العُمر، وليعلم أنّ قيمته غير مرتبطة بعدد الكتب المطبوعة.
ثم من أراد بعد ذلك النشر فلن يطلب مني الإذن يعني.. فالأمر ليس لي، ولست قيمّاً على أصابع الناس وكيبورداتهم!
بالتوفيق لهم.

الخميس24رمضان 1442هـ الموافق لـ 6 مايو2021م.

مصدر الصورة البارزة: unsplash

الخوف من فوات الأشياء.. الـFOMO الصحّي

أعتقد جازماً ما من أحد يقرأ هذه التدوينة إلا وقد مرّ بهذه الحالة أو يعرف قريباً مرّ بها، وإن كان يعدّ صنفاً من الإدمان إلا أننا لا نعترف به.

في أبسط تعريف للفومو هو “الخوف من فوات الأشياء” وخصوصاً لو كانت مواداً رقمية أو أحداث يومية، أو أماكن سياحية، ويرتبط هذا الخوف بالحسرة من فقدانه أو الرغبة المتوهمة الشديدة بالحصول عليه سواء كان يستحق أو لا.

ما رأيك أن تقرأ مقالاً ممتعاً عنه؟ الخوف من فوات الشيء مارك مانسون – ترجمة: آية علي.

الفومو الصحيّ


وأنا أقلّب النظر في الفومو وأثاره خطر ببالي شيء كنت ألحظه في كتب التراث أثناء الحديث عن بعض الصحابة رضوان الله عليهم أو التابعين رحمهم الله في رحلتهم لطلب العلم، وبعض هذه الأحاديث قد يستغربها المرء لو قاسها في عصرنا الحاليّ، لكن لو قرأها بعين شخص في القرن الثاني الهجري _ أي قبل حوالي 1400 سنة تقريباً – وصعوبة الحصول على المعلومة إلا بطرق الرحلة والتوثق الذاتي؛ لقدّرنا المشاق التي يتعناها طالب العلم.
سأضع لكم بعض التجارب لرحلات في طلب العلم والحديث التي توضح كيف كان لديهم “خوفاً من فوات الأشياء” لكنه بالوجهة الصحيحة:

رحلة من المدينة المنورة إلى الشام من أجل حديث واحد!

عن كثير بن قيس قال: كنت مع أبي الدرداء بمسجد دمشق، فأتاه رجل فقال: يا أبا الدرداء، إني جئتك من مدينة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لحديثٍ بلغني أنك تحدثه عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: ما جاء بك حاجة غيره، ولا جئت لتجارة، ولا جئت إلا فيه؟ قال: نعم، قال: فإني سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول:(مَن سلك طريقَ علمٍ، سهَّل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضًا لطالب العلم، وإنَّ السموات والأرض لتستغفر له والحوت في الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلةَ البدر على سائر الكواكب، إن العلماء وَرَثَة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورَّثوا العلم، فمَن أخذ به أخذ بحظ وافر). [1]

رحلة شهر لأجل حديث واحد!

قال جابر بن عبدالله – رضي الله عنه -: بلغني حديث عن رجل من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فابتعتُ بعيرًا فشددت عليه رَحْلي، ثم سرت إليه شهرًا، حتى قدمت الشام، فإذا عبدالله بن أُنَيس الأنصاري، فأتيتُ منزله وأرسلت إليه أنَّ جابرًا على الباب فرجع إليَّ الرسول، فقال: جابر بن عبدالله؟ فقلت: نعم، فخرج إليَّ فاعتنقته واعتنقني، قال: قلت: حديثٌ بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في المظالم لم أسمعه أنا منه، قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: ((يَحشر الله – تبارك وتعالى – العِباد، أو قال: الناس – شك همام – (وأومأ بيده إلى الشام) حفاة عراة غرلاً بُهمًا))، قال: قلنا: ما ((بُهمًا))؟ قال: ((ليس معهم شيء، فيناديهم بصوت يسمعه مَن بَعُد، ويسمعه مَن قرب: أنا الملك الديَّان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وأحدٌ من أهل النار يطلبه بمظلَمة حتى اللطمة، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وأحد من أهل الجنة يطلبه بمظلَمة حتى اللطمة))، قال: قلنا: كيف وإنَّما نأتي الله – عز وجل – حفاةً عراةً غرلاً؟ قال : ((بالحسنات والسيئات)). [2]

من المدينة إلى مصر لأجل حديث واحد!

قال عطاء بن أبي رباح: خرج أبو أيوب إلى عقبة بن عامر وهو بمصر يسأله عن حديث سمعه من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فلمَّا قَدِم أتى منزل مَسْلَمة بن مخلد الأنصاري وهو أمير مصر، فأخبره فعجل، فخرج إليه فعانقه، وقال: ما جاء بك يا أبا أيوب؟ قال: حديث سمعته من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لم يبقَ أحد سمعه غيري وغيرك في سِتر المؤمن، قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: ((مَن ستر مؤمنًا في الدنيا ستره الله يوم القيامة)) ، فقال له أبو أيوب: صدقت، ثم انصرف أبو أيوب إلى راحلته فركبها راجعًا إلى المدينة، فما أدركته جائزة مسلمة بن مخلد إلاَّ بعريش مصر. [3]

وكتب آداب طلب العلم مثل: ( الرحلة في طلب الحديث للخطيب البغدادي) أو كتاب (صفحات من صبر العلماء) عامرة بمثل هذه القصص التي تبين مقدار حرصهم على العلم والسعي والبذل فيه.

فلو كان الـ FOMO والحرص على عدم فوات الأشياء في مثل هذا فيا حبذا.

[1] أخرجه أحمد (5/196)، وأبو داود (3641) و (3642)، وابن ماجه (223)، والدارمي (1/98)، وابن حبان (88).

[2] أخرجه أحمد (3/495)، والبخاري في “الأدب المفرد” (970)، وفي “خلق أفعال العباد”59”

[3] أخرجه أحمد (4/153 و 159).

يوم الأربعاء23 رمضان 1442هـ الموافق لـ 5مايو 2021م.

مصدر الصورة البارزة: unsplash

البازار.. أسلوب حياة

في سوريا – وفي حمص خصوصاً – كان هناك سوق معروف يدعى “سوق الحشيش” ( لا يذهب فكركم لبعيد، الحشيش هنا يعني الخضروات وليس الحشيش إياه) وسوق الحشيش هو المكان الذي يجتمع فيه الناس لشراء الخضروات يومياً وفي الصباح الباكر.
أذكرُ أنّ والدي رحمه الله أخذني معه مرّة وكان مشهداً عجيباً حيث يغصّ بمئات الناس التي تتبضع مشترواتها وبسعر يختلف عن أسعار المحلات العادية (الفارق بينها قد يكون ضئيلاً لكنه بالنسبة للطبقة الوسطى والفقيرة يشكل فارقاً خصوصاً بالكميّات الكبيرة).

ومن المفارقات التي شهدتها أننا كنا في سوريا نشتري الخضروات والفواكه بالكراتين (السحّارة) أو بكميات كبيرة، فمثلاً نشتري “شوال” بطاطا، و”شوال” ليمون، و”حمل” باذنجان ( اللي ما بحبّ الباذنجان مسكين) وجرز من البقدونس والخسّ.. أما الفواكه فكانت “سحارة” برتقال، و”دبية” تفاح، و”جرن” موز.
وحين كنا نسمع أو نرى الناس في التلفاز تشتري البضائع بالحبّة ( حبّة بطاطا+حبّة بندورة+حبّة خيار) كنت أضحك من هذا الأمر، وأقول: حدي بشتري حبّة بطاطا؟ وكنت أتوقع الأمر مرتبطاً بالمستوى الاقتصادي، لكني كنت مخطئاً طبعاً، فمن المؤكد أنّ المواطن السويدي أو النمساوي راتبه أكثر من 20$ في الشهر. [1] ومع ذلك حين سكنتُ في إسطنبول صرتُ أشتري أحياناً الخضار والفواكه بالحبّة!

ولما قدمتُ إلى تركيا وجدتُ في كل حيّ سكنته ما يُعرف باسم “البازار” وهو تجمع أسبوعي يبدأ في السابعة صباحاً وينتهي في السابعة مساءً يبيع في الناس الخضروات والفواكه بشتى أصنافها وبأسعار رخيصة مقارنة بالمحلات التجارية (نفس فكرة سوق الحشيش بسوريا)، ومما شدني فيه أنّ الناس يشترون بدون معرفة وزن البضائع المشتراة، فأنت تعبئ كيساً بالخيار أو الليمون ولا تعرف كم يزن إلا بعد أن تعطيه للبائع، وعلى قدر حاجتك يزن لك بزيادة أو نقصان، أو حسب مالك.

فكرة “البركة” أو “المشايلة” لا تقف عند شراء الخضروات من الأسواق، ولعلها تنسحب حتى على علاقتنا وتصرفاتنا اليومية سواء في الشارع أو العمل أو الجامعة أو المنزل، لا نحسب حساب الكلمات التي نتفوه بها أمام أصدقائنا وأهلنا ونعوّل على أنّهم سيفهمون منا دون مزيد شرح – كما يفهم بائع البندورة أنني أرغب بـ 3كيلو إذا قلت له – وفي الوقت نفسه نتعامل مع المشاعر وكأنها “سوق معروضة” فلا بأس أن نحبّ اليوم ونكره غداً.. نتعامل بلطف اليوم وبخباثة غداً.. طالما أنّ هذا يحقق لي مطالبي فلا بأس.

في البازار – وكما في الحياة – لا أحد يجبرك على الشراء من عنده، لكن طريقة العرض للبسطة، ونظافة البضاعة المعروضة، وأسلوب النداء المميز هو الذي يلفتك أكثر حتى لو لم تكن بحاجة فعلية له (هل الإعلانات والتسويق أخذت فكرتها من هنا؟ ربما)
في آخر اليوم يكون مكان البازار متسخاً جداً، لكن ما تلبث أن تأتي سيارات البلدية لإزالة الأوساخ من المكان ليعود الشارع نظيفاً كما كان بل أفضل، فهل هناك سيارات بلدية لتنظيف قلوب الناس وحياتهم بعد أن عثنا فيها فساداً؟ أتمنى أن يكون.

كان بودي أن أحدثكم عن “سوق التنابل” لكن أظن أن النساء سيغضبون – لأنهم يحبونه – وربما تزعجهم الكلمة فأترك الحديث عنه حفاظاً على صيامكنّ.



[1]: متوسط الراتب الشهري للمواطن في سوريا 20$ بما يساوي 60 ألف ليرة سورية فقط لاغير.
*مصدر الصورة البارزة: unsplash

الثلاثاء 22رمضان 1442هـ الموافق لـ4 مايو 2021م.

أشياء فاتتني..قائمة رغبات ولدتْ ميتة

لا يتوقف المرء طوال حياته عن الحسرة، الحسرات متراكبة، والندم يقضم قلبه فيما فعل – لو أنني لم أفعل – وفيما لم يفعل – ليتني فعلت.
هذه الدوامة لا تنتهي، لكن المرء بعد مرحلة عمرية معيّنة يرضى! يسلّم! يتأقلم؟ ينضج؟ لا أدري ما المصطلح الأدق الذي يستخدم هنا، لكن يتوقف عن ملاحقة الأحلام الضائعة.
لا أقصد هنا بالأحلام تلك التي يتبادر إلى ذهنك حين تسمع كلمة”أحلام”.. لالا هذه ليست مقام الحديث هنا، أتكلم عن الأشياء البسيطة التي تراها من بعيد وترى أنك تحبّ تجربتها لكن ربما الظروف لم تسعفك، أو الوقت تأخر عليها، أو فاتت لذّتها المتعلقة بالوقت ( وكثير من اللذات متعلقة بالوقت المناسب، ولو جاءتنا لاحقاً لما التفتنا إليها).


النفس تحبّ الاستعجال – وكان الإنسان عجولاً – في أموره كلّها، يرغب بأن تتحقق أحلامه في الوقت الذي يرغبه هو، بمعزل عن أي سياقات أو مصالح مؤجلة، يظنّ -المسكين- أنّ الكون مسخّر له كي يلبي رغباته فقط ( جماعة طاقة الجذب لا أصيدكم).
طيب.. هذه مقدمة مملة أعرف، لكني رغبت بقولها لأدلف على لبّ الموضوع الذي أريده وهو تحرير للأشياء التي رغبتُ بها يوماً، لكنها اليوم لم تعدّ تمثل لي إلا حلماً لذيذاً راودني يوماً ما وعشتُ معه في خيالي ثم انقضى.

الحلم الأول: أن يكون لي أخ/أخت أصغر مني

رغبتُ دوماً أن يكون لي أخ أو أخت أصغر مني، وباعتبار أني – آخر العنقود – ووالديّ توفيا، فهذا الرغبة لن تتحقق.
شعورك بأنك تشهد تقلبات الحياة لأخٍ أصغر منك، وترى كيف ينمو كشجرة فرعاء، وتشهد على تفاصيل سلوكه، ونزواته، ومراهقته، وتتبادل معه الأسرار، وترشده فيما تعرفه قبل أن يقع فيه، ومن ثم تفرح له حين ينجح نجاحاً باهراً وتفخر به، وتقول لنفسك: أخي الذي كان طفلاً الآن غدا رجلاً ملء إهابه!
قد تكون مجرّد رغبة سخيفة، لكني أحبّ لو كان لي أخ أصغر.

الحلم الثاني: الرسوب في أحد الصفوف الانتقالية أو في الجامعة

لستُ من المتفوقين، وإن كان مستواي الدراسي جيّد – وفي بعض الأحيان جيّد جداً – لكني دائماً كنت أحبّ تجربة شعور أن أرسب في صفّ ما، لأرى ماهي الآثار المترتبة عليّ؟ أو أن أتأخر في التخرج الجامعيّ سنة أو سنتين مثلاً.

الحلم الثالث: سنة استراحة بين الثانوية والجامعة


صعوبة تحقيق هذا الحلم ليس متعلقاً بالوقت، ولا بمعارضة الأهل، إنما بسبب آليات القبول الجامعيّ التي تجعل الالتحاق بالجامعة بعد النجاح في الثانوية “شرطاً” يعتبر لاغٍ إذا مرّ عليه سنة واحدة، صحيح أنّ بعض الطلّاب يسجّل في الجامعة (سنة أولى) ثم يوقف تسجيله، لكن ما كنتُ أريده غير ذلك تماماً.
كنت أرغب بأخذ مساحة خاصة أجرّب فيها ما أحبّه فعلاً خلال هذه السنة، قبل اختيار التخصص الذي سأمضي فيه بقيّة عمري المهني.


الحلم الرابع: السكن منفرداً (سواء في السكن الجامعيّ أو قبل الانخراط في سوق العمل)


للسكن وحيداً ميزات كثيرة، يعتمد فيها الشاب على نفسه، وتدبير أموره اليومية تمنحه فرصة لاكتشاف ما يجيده وما يحسنه، يضاف لذلك شعور بالاستقلالية المؤقتة التي تجعل نظره للأشياء سليماً، ويضع الأمور في نصابها.

أعلمُ أن بعض هذه الأحلام يمكنني تجربتها الآن، لكن كما قلتُ لكم سابقاً أنّ عامل الوقت هو المهم فيها، وليست مجرّد التجربة.

وأنتم.. ماهي الأحلام المؤجلة الخاصة بكم؟

الاثنين21رمضان 1442هـ الموافق لـ3 مايو2021م.

* مصدر الصورة البارزة:unsplash

كتابٌ ومنشور و10 نصائح

تقبل الله طاعتكم جميعاً.. ها نحن على أبواب العشر الأخير من رمضان! لقد مرّ الوقت سريعاً جداً، ولا يعرف المرء سرعة انقضائه إلا حين ينظر للطريق خلفه فيرى أنّه قطع شوطاً لا بأس به دون أن يشعر.
رمضان أوشك على النهاية؛ رزقنا الله وإياكم فيه القبول والغفران.. وقبل يومين وقعتُ على كتاب صغير الحجم جليل الفائدة يتحدث فيه مؤلفه عن 11 وصيّة لدخول العشر الأواخر فيما يخص الاعتكاف، فرأيتُ أن أشارككم إياها بدون كثير شرح.

حينما يعتكف القلب

حينما يعتكف القلب صـ 3

1- قطعُ العلائق عن الخلائق:

إن سرّ الاعتكاف وغايته، الخلوة بالله وتفريغ القلب وقطعُ علائقه بالخلائق، ولهذا كان اللائق بالمعتكف أن يكون منهمكاً في التنسك والعبادات الخاصة، مقبلاً على ربّه بتخلية القلب لله، والإلحاح في طلب رضاه، والإلحاف في نيل مغفرته وعفوه.
إنّ جلّ الطاعات وكثيراً من العبادات تجتمع للعاكف المنفرد الخالي بربه، وأعظم هذه العبادات وأشرفها عبادة القلب.

2- العيش مع القرآن:

لبّ العبادة وحياة القلب مصدرها الأول: كتاب الله، الذي جعله الله روحاً وحياةُ ونوراً،

وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [الشورى] (52)

ولا غرو أن يجد المؤمن حياة قلبه في تدبر القرآن لأنه يتذوق بتلاوته المتأنية حلاوة المناجاة لكلام ربه، فيعيش في آفاق الآيات التي يسري روحها في خلجات قلبه، فيجد حينها لقلبه حياة أخرى، ولقراءته لذّة لا يصفها لسانه، ولا تدونها أقلامه، وذلك لعظمة الخطاب الرباني وروعة جماله الذي يسلب عقل المتدبر فترق نفسه ويلفها سكينة وخشية، فيتجلى للقلب من المعاني ما يفيض نوراً وغيثاً يضفي على القارئ جلالاً وجمالاً.

3- جمعية القلب وصدق إقباله:

إن غاية الاعتكاف ومقصوده: استقامة اقلب، والقلب لا يستقيم على صراط الله إلا بإقباله بكليّته على الله، ومتى ما انصرف عن الله وسبح في أشتاتٍ بعيدة عنه، فقد فاته المقصود من الاعتكاف ولو كان الجسد عاكفاً.

4- استشعار معيّة الله لعبده:

إن استحضار هذه المعيّة ومراقبة الله لعبده بحاله، وإحاطته بسرّه وعلانيته، وقوله وعمله؛ لهو كفيلٌ بإزالة الغشاوة عن القلب وزوال غبار أوضار الدنيا، ليحلّ محلها الإخلاص الذي يلفّه سياج الصدق مع الله وابتغاء ثوابه وعطائه الأخروي.

5- تعظيم الله تعالى:

إنّ الأصل في عبوديتنا لله تعالى أن تكون قائمة على توقيره وتعظيمه وإجلاله، ورمضان وعشره الفاضلات، والاعتكاف، بوابات مباركة لتنمية هذا التوقير والتعظيم في قلوبنا، وهذه المناسبات في أعظم مورثات هذا المطلب الجليل.

6- افتقار العبد إلى ربّه وشعوره بالحاجة إليه:

إنّ الاعتكاف في بيتٍ من بيوت الله، اعتكاف قلب، صورة حيّة لمشهد ذلّ العبد وافتقاره لمولاه، ولا تتم العبودية إلا “بتكميل مقام الذل والانقياد، وأكملُ الخلق عبودية أكملهم ذلاً وانقياداً وطاعة، والعبدُ ذليلٌ لمولاه الحقّ بكل وجه من وجوه الذلّ، فهو ذليل لعزّه، وذليل لقهره، وذليل لربوبيته فيه وتصرفه، وذليل لإحسانه إليه وإنعامه عليه”.

7- استحضار منّة الله وفضله:

إن المؤمن الحق هو من يديم استحضار مشاهد مننَ ربه عليه، لأنها قد طوقت المؤمن طوقاً يملاً الأرض والسماء، فهو الذي أفاض عليه نعماً أعلاها نعمة الهداية التي يعجز اللسان عن الوفاء بقدرها، حيث أخرجه ربه من ظلمة الضلال إلى نور الهداية، ومن لجة الغيّ إلى رحاب الإيمان.

8- الاعتراف بالذنب والتقصير:

إن لمحة خاطفة وتأملاً سريعاً في ابتهالات الأنبياء والصالحين ومناجاتهم وأدعيتهم، يكشف لك سراً يكتنفها، ألا وهو اشتمالها على الاعتراف بالذنب والظلم، وإليك سجلاً وصفحات مشرقة من اعترافهم بالذنب والظلم:
فهذا آدم وحواء يدعوان:
قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [ الأعراف] (23)

وهذا موسى عليه السلام – وهو من أولي العزم من الرسل – يدعو:
قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [القصص] (16)

وهذا يونس عليه السلام يبتهل إلى ربه ويناجيه معترفاً بذنبه بل بكونه من الظالمين:
فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء] (87)

9- الإقبال على الله بمداومة الذكر:

إن استدامة ذكر الله واستغفاره والثناء عليه مشهدٌ من مشاهد عكوف القلب وصحته وبلوغه الدرحات الإيمانية:
الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد] (28)

ولا شيء يذلل اللسان ويرطبه ويصقل الإيمان ويرفعه كذكر الله جل وعلا، سيما مَن حافظ على أوراد من الأذكار يعمر بها اللحظات، ويحيي بها القلب، وقد توادر الصالحون وتوافقوا على أنّ ذلك هو سلاح المؤمن الذي يخرق حجب الغفلة، ويفتح أقفال القلب في كل عصر، فكيف بعصرٍ تشابكت فيه عاديات الزمان وصوارف الأيام؟!.

10- الإقبال على الله بكثرة الدعاء:

إنّ عبادة الدعاء في العشر الأخير من رمضان وحينما يكون العبد عاكفاً، لها مذاق يعرفه المتضرعون المنكسرون بين يدي الله الباكون المتباكون، حيث يستشعرون القرب من مولاهم والوعد بالإجابة،
وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [ البقرة] (186)

11- الإخبات والخشوع:

إنّ الله مدح في كتابه المخُبتين له، والمنكسرين لعظمته والخاضعين لكبريائه، فقال سبحانه:
وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ [ الحج] (34) وقال تعالى: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء] (90).
وأصل الخشوع: لين القلب ورقته وسكونه وخضوعه، فإذا خشع القلب تبعه خشوع جميع الجوارح والأعضاء لأنها تابعة له.

حينما يعتكف القلب صـ 59

هذا ما كان في شأن الكتاب، أما المنشور فهو هذا والنصائح الـ10 في داخله.

الأحد20 رمضان 1442هـ الموافق لـ 2مايو 2021م.

مصدر الصورة البارزة:unsplash

اللطف المؤذي

لا أحد يحبّ أن يكون فظّاً أو أن يُعامل بفظاظة، ولأجل ذلك يُمدح في المجتمعات البشرية فعلُ “اللطف” والذي من اسمه يدلّ على رقّة في التعامل، وأدب في الحوار، وسلوكيات بسيطة ذات أثر نفسي ممتد.
لكن هل دائماً اللطف مطلوب في كل الأوقات؟ أو هل يُقابل اللطف دوماً بما يشابهه من الآخرين؟

سوء فهم

كثيرون يظنون أنّ اللطف يساوي الضعف، ويبررون لذلك بأنّ الشخص اللطيف هو الشخص “المتملق” الذي لم يستطع الحصول على حقوقه بقوة، أو لم يحظَ باهتمام ملائم، فيقدّم اللطف كطُعم للاصطياد، وهذا قد يكون صحيحاً في بعض الأشخاص الذين لا يرون في اللطف سوى “وسيلة” لتحقيق مآربهم الشخصية ولو على حساب الإساءة والإيذاء للآخرين.

مواقف

لو أردنا حصر الأفعال اللطيفة التي يمكن أن يقوم بها المرء لغيره لطالت القائمة، لكن هنا محاولة لسرد بعض تلك المواقف التي ربما مررنا بها جميعاً يوماً ما، فتنازلك عن دورك لشخص كبير في السنّ، أو القيام له في المواصلات العامة، أو إعطاء منديل لرجل يعطس بجانبك دون طلب منه ( قبل الكورونا) أو إهداء طفل صغير قطعة حلوى في الشارع، أو التبسم لغريب، أو مساعدة شخص يبحث عن مكانٍ تاه عنه، أو التهنئة بفرح والتعزية بوفاة، أو زيارة مريض لا تعرفه، وتجلب له هديّة.
كل هذه المواقف التي ربما مررنا بها مرّة واحدة على الأقل في حياتنا، قد تُفهم من قبل الآخرين كسلوك طبيعي في إطاره وسياقه العام دون تحميله تبعات لا تلزمه، وفي نفس الوقت قد يكون كل فعلٍ من هذه الأفعال بذرة للشك والتساؤل حول الغرض الحقيقي من الفعل.

وأحدثكم عن نفسي؛ وكثيراً ما وقعتُ في هذا الأمر حيث أنّ بعض الناس تفهم هذه السلوكيات بشكل خاطئ أو تحمّلها تصورات غير دقيقة، فكم من مرّة تمدح شخصاً – لا لهدف ولا لغرض – فيرى هذا الفعل منك “محاولة للتقرّب منه! وبعضهم قد يوغل في سوء الظنّ فيرى أن تقربك منه لنيل حظوة أو كسب منفعة.
ومن عادتي – التي أدرّب نفسي على التخفف منها – أنّي أبادر للسؤال عن الآخرين في حال غيابهم، وتفقدهم، والاطمئنان على أحوالهم، لكن وللأسف غالباً ما تكون ردات الفعل تجاه تصرفي مخيبة للآمال، وبعضهم يعدّ هذا من “الحشرية”.

ومن الطبيعي أنّ السلوكيات والأخلاقيات لا تثمر مع كل الناس، وليس كل البشر على سويّة واحدة في تقبل الخير، عوّد نفسك ألا تنتظر منهم مقابلاً، واستبطن في داخلك نكران الجميل، ونسيان المواقف المشرّفة، لأنّ هذا طبع البشر، وإذا رأيتُ من يستغلّ لطفك لأهوائه ورغباته فأوقفه عند حدّه، مهما كان الشخص مقرباً منك، لأنّك ستكون الخاسر الأكبر في هذه العلاقة.

فالحلّ ليس أن تتوقف عن كونك لطيفاً، لكن أن تتوقف عن كونك “لطيفاً أكثر من اللازم”،
بالمناسبة هذا اسم كتاب أنصح به ( لا تكن لطيفاً أكثر من اللازم).

السبت19 رمضان 1442هـ الموافق لـ 1 مايو 2021م.

مصدر الصورة البارزة: unsplash