البازار.. أسلوب حياة

في سوريا – وفي حمص خصوصاً – كان هناك سوق معروف يدعى “سوق الحشيش” ( لا يذهب فكركم لبعيد، الحشيش هنا يعني الخضروات وليس الحشيش إياه) وسوق الحشيش هو المكان الذي يجتمع فيه الناس لشراء الخضروات يومياً وفي الصباح الباكر.
أذكرُ أنّ والدي رحمه الله أخذني معه مرّة وكان مشهداً عجيباً حيث يغصّ بمئات الناس التي تتبضع مشترواتها وبسعر يختلف عن أسعار المحلات العادية (الفارق بينها قد يكون ضئيلاً لكنه بالنسبة للطبقة الوسطى والفقيرة يشكل فارقاً خصوصاً بالكميّات الكبيرة).

ومن المفارقات التي شهدتها أننا كنا في سوريا نشتري الخضروات والفواكه بالكراتين (السحّارة) أو بكميات كبيرة، فمثلاً نشتري “شوال” بطاطا، و”شوال” ليمون، و”حمل” باذنجان ( اللي ما بحبّ الباذنجان مسكين) وجرز من البقدونس والخسّ.. أما الفواكه فكانت “سحارة” برتقال، و”دبية” تفاح، و”جرن” موز.
وحين كنا نسمع أو نرى الناس في التلفاز تشتري البضائع بالحبّة ( حبّة بطاطا+حبّة بندورة+حبّة خيار) كنت أضحك من هذا الأمر، وأقول: حدي بشتري حبّة بطاطا؟ وكنت أتوقع الأمر مرتبطاً بالمستوى الاقتصادي، لكني كنت مخطئاً طبعاً، فمن المؤكد أنّ المواطن السويدي أو النمساوي راتبه أكثر من 20$ في الشهر. [1] ومع ذلك حين سكنتُ في إسطنبول صرتُ أشتري أحياناً الخضار والفواكه بالحبّة!

ولما قدمتُ إلى تركيا وجدتُ في كل حيّ سكنته ما يُعرف باسم “البازار” وهو تجمع أسبوعي يبدأ في السابعة صباحاً وينتهي في السابعة مساءً يبيع في الناس الخضروات والفواكه بشتى أصنافها وبأسعار رخيصة مقارنة بالمحلات التجارية (نفس فكرة سوق الحشيش بسوريا)، ومما شدني فيه أنّ الناس يشترون بدون معرفة وزن البضائع المشتراة، فأنت تعبئ كيساً بالخيار أو الليمون ولا تعرف كم يزن إلا بعد أن تعطيه للبائع، وعلى قدر حاجتك يزن لك بزيادة أو نقصان، أو حسب مالك.

فكرة “البركة” أو “المشايلة” لا تقف عند شراء الخضروات من الأسواق، ولعلها تنسحب حتى على علاقتنا وتصرفاتنا اليومية سواء في الشارع أو العمل أو الجامعة أو المنزل، لا نحسب حساب الكلمات التي نتفوه بها أمام أصدقائنا وأهلنا ونعوّل على أنّهم سيفهمون منا دون مزيد شرح – كما يفهم بائع البندورة أنني أرغب بـ 3كيلو إذا قلت له – وفي الوقت نفسه نتعامل مع المشاعر وكأنها “سوق معروضة” فلا بأس أن نحبّ اليوم ونكره غداً.. نتعامل بلطف اليوم وبخباثة غداً.. طالما أنّ هذا يحقق لي مطالبي فلا بأس.

في البازار – وكما في الحياة – لا أحد يجبرك على الشراء من عنده، لكن طريقة العرض للبسطة، ونظافة البضاعة المعروضة، وأسلوب النداء المميز هو الذي يلفتك أكثر حتى لو لم تكن بحاجة فعلية له (هل الإعلانات والتسويق أخذت فكرتها من هنا؟ ربما)
في آخر اليوم يكون مكان البازار متسخاً جداً، لكن ما تلبث أن تأتي سيارات البلدية لإزالة الأوساخ من المكان ليعود الشارع نظيفاً كما كان بل أفضل، فهل هناك سيارات بلدية لتنظيف قلوب الناس وحياتهم بعد أن عثنا فيها فساداً؟ أتمنى أن يكون.

كان بودي أن أحدثكم عن “سوق التنابل” لكن أظن أن النساء سيغضبون – لأنهم يحبونه – وربما تزعجهم الكلمة فأترك الحديث عنه حفاظاً على صيامكنّ.



[1]: متوسط الراتب الشهري للمواطن في سوريا 20$ بما يساوي 60 ألف ليرة سورية فقط لاغير.
*مصدر الصورة البارزة: unsplash

الثلاثاء 22رمضان 1442هـ الموافق لـ4 مايو 2021م.

نُشرت بواسطة

«فادي»

في حبّ الكتب | الثورة السورية | «لم يبقَ عندي ما يبتزه الألمُ».

رأيان حول “البازار.. أسلوب حياة”

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.