الحظر الكلّي لـ 18 يوماً.. لا لستُ مصاباً

اليوم قبل حوالي 4 ساعات بدأ سريان قرار “الحظر العام” الذي فرضته الحكومة التركية في عموم البلاد، وقبل هذا التاريخ كان الحظر يشمل يومي السبت والأحد فقط، وحظر جزئي من الساعة السابعة مساءً حتى الخامسة فجراً من كل يوم.
حسناً لن أقول إنّي مسرور، ولن أتبرم ضجراً فقد اعتدتُ على القرارت الغريبة التي تصدر بين الحين والآخر، واعتادت نفوسنا على الإجراءات الغريبة، وأصبحت “كورونا” جزء لا يتجزأ من حياتنا اليومية.
ما الذي سيتغيّر علينا؟ في الواقع لن يتغير علينا شيء كبير سوى أننا سنؤدي أعمالنا من البيوت (online) وهذه ليست المرة الأولى، وسنُحرم من صلاة العيد، ومن بهجة الاجتماع السنوي – للسنة الثانية على التوالي – وسيقتصر خروجنا للضرورة القصوى من أجل الاحتياجات اليومية الأساسية (خبز، خضروات، أكل، مشفى،دواء).

تذكرتُ نصاً لابن الجوزي رحمه الله في صيد الخاطر يحكي فيه كيف أنّ المرء مولع بتتع الغرائب، وأنّه يعارض كل ممنوع برغبة مضادة، وتذكرته اليوم، وكتبت حينها في تويتر:«ولهذا لو قعدَ الإنسان في بيته شهراً لم يصعب عليه، ولو قيل له _ أو قالت له الحكومة _ لا تخرج من بيتك يوماً طال عليه».

من كتاب [ صيد الخاطر ]

لا مزاج لي بكتابة نص طويل.. فقط أردتُ توثيق الخبر، لعله يكون في السنة القادمة “مجرّد ذكرى” ونعود لحياتنا الطبيعية – الطبيعية؟ حينها.

الخميس17 رمضان 1442هـ الموافق لـ 29 أبريل 2021م.

*مصدر الصورة البارزة: unsplash

“بول شاوول” نصٌّ متأخرٌ عن موعده.

حين سئل محمد ابن المنكدر ماذا بقي من لذات الدنيا؟ قال: “ما بقي من لذات الدنيا إلا ثلاث: قيام الليل ولقاء الإخوان والصلاة في الجماعة”.
وإذا أردتُ أن أضيف لذّة رابعة؛ فستكون لذة اكتشاف كاتب أو كتاب بعيداً عن ضجيج شهرته، أو ذيوع صيته، متعة أن تقرأ نصاً وتصرخ بعد الفراغ منه: يا إلهيّ! كيف كنتُ غافلاً عن هذا الجمال طوال هذا الوقت؟
هذا ما حصل لي قبل أيّام، والفضل يعود لـ (عبير) والتي بالمناسبة تترجم بشكل أسبوعي في مدونتها اللطيفة (La Luna Melodies) وهي التي عرفتني على الشاعر (بول شاوول) وسأبقى ممتناً لها لهذا الاكتشاف البديع، وهذه التدوينة عربون شكر، فلولاها لما خرجت للنور.
ولأنّي لا أحب احتكار المتعة، لم أجد بداً من مشاركتكم النص، وهو منشور في كتاب ( منديل عطيل).

غلاف كتاب منديل عطيل لبول شاوول

أربعة جدران أخرى*

“منذ مدة طويلة، ربما سنوات، لم يغادر غرفته إلا نادرًا، ونادرًا جدًا، ولضرورات قصوى كما يحب أن يسميها، لقص شعره مثلًا. وهذا يحدث أحيانًا مرة كل سنة أو سبعة أشهر وأحيانًا كل سنوات مرة، أو لشراء بعض الحاجيات والمجلات والكتب.

لكن عندما يغادر الغرفة الصامتة لا يبتعد أكثر من بضعة أمتار، لا خوفًا على حياته، ولا توجسًا ولا هروبًا من أحد. فهو من زمان لم يعد يذكره أحد ولا هو في حسبان أحد. ربما هناك شخص أو اثنان يشتري من عند الأول بانادول، ومن عند الثاني بطاريات للراديو لا يبخلان عليه بسؤال أو بابتسامة مولية. فهو من مدة طويلة انخرط في الغياب، وفي الصمت، فلم يعد يسمع ولا يحس به أحد. الجيران نسوا مَن هو، مهنته، اسمه اسم عائلته وتاريخه ومن أين جاء وكيف استقر في هذا الحي المنزوي، ولهذا لا يجد أحد من الجيران أي حاجة للسؤال عنه أو لافتقاده أو للتحقق من وجوده أو من عدم وجوده.

هذا الوضع الذي سعى إليه وكرّسه أراحه كثيرًا. فهو يشعر بأنه غير مجبر على الرد عن أسئلة مثل “أين كنت؟” أو “لماذا لا نراك” أو “ماذا تفعل هذه الأيام” أو “كيف حال؟” وهي أسئلة بات يراها سخيفة ومملة وقاسية أيضًا.

لماذا يسأل الناس بهذه الطريقة عن بعضهم؟ لماذا يتبادلون التحيات بهذه الطريقة؟ فليحتفظ كلٌّ بصمته وبعافيته وبحضوره وبغيابه، وليحتفظ كذلك بأسئلته وتساؤلاته واستفهاماته واستدلالاته واستنتاجاته. ولهذا عندما يلازم غرفته أسابيع أو أشهرًا متتالية يشعر بحرية مضاعفة لا تقدر بثمن، لأن أحدًا لن يسأل عنه. لا عائلة، ولا شجرة عائلة ولا فروع عائلة، و لا أصحاب و لا رفاق و لا زملاء ولا أحد. عال! يتنفس بطريقة مريحة، ويطمئن.

فهذا الوضع مثالي بالنسبة إلى شخص يريد أن يعيش في عزلة صافية، صافية لا يشوبها وجه أو صوت أو كلام أو اختلاط أو انفتاح، لا يشوبها حضور.

في هذه  الإقامة الدائمة يتحرك السيد في مساحة ضيقة. فبيته صغير، هذا إذا كان حيث يسكنه يمكن أن يسمى بيتًا، إذ هو أقرب إلى غرفة لا مستطيلة ولا مربعة منفتحة على مدخل لا هو مربع ولا هو مستطيل ولا مستدير. شيء من كل هذه الأشكال، هندسة غريبة أو بالأحرى هندسة مرتجلة لهذه الغرفة، هندسة بلا شكل.

في هذه المساحة الضيقة كراسٍ عدة من القش، طاولة مستديرة لا تتلاءم مع فضاء المكان المائل، واطئة وذات لون أبيض أجرد. ثم أربعة جدران تفضي إلى عدة جدران أخرى لم عد ينتبه من زمان لا إلى لونها الحائل ولا إلى علوها ولا إلى عرضها. إنها جدران، ويمكن أن تسمى أي شيء آخر “حواجز” أو “موانع” مثلًا. أهميتها أنها تفصل بين عالمين، أو بالأحرى بينه وبين الخارج، ولهذا كان يتمنى أن تكون أكثر سماكة، كي يكون الانفصال أمتن وأقوى لا يهدده تشقق هنا أو فجوة هناك أو ثقب. فالجدران أن تلعب دور الحامي من الخارج: الجلبة، الضوضاء، الأصوات، الصراخ، وقع الأقدام، لعلة الرصاص، دوي الهتاف. أي كل ما يصنع الحياة في ذلك “المقلب” أو “المنقلب” الآخر.

ولطالما ود السيد وتمنى أن تكون هذه الغرفة في جبل متباعد أو كهف أو في غابة عذراء، لكن تعذر عليه تحقيق هذه الأمنية لأسباب كثيرة، منها أن البلاد التي وُلد فيها وعاش تساوت فيها الجبال بالسهول والأرياف المدن، فلم تعد هناك مدينة بالمعنى المألوف، ولا ريف، ولا قرية، تداخلت كلها في موازييك غريب يجمع بين التناقضات ما يفرِّق ومن التآلفات ما يقرِّب. والناس في الأعالي لا يختلفون كثيرًا عن الناس في السواحل، كأنهم دُمغوا جميعًا بعلامة واحدة، وبعواطف واحدة، وبعقليات واحدة. يأكلون مثل بعضهم، يشربون مثل بعضهم، يلبسون مثل بعضهم، يصلون يقتلون وينقتلون، يتناسلون ويموتون ويكبرون ويحبون ويكرهون وينامون ويستيقظون ويتكلمون ويصمتون مثل بعضهم. فكأن شخصًا واحدًا يمكن أن يختصر كل الناس، أو كل الناس يمكن أن تجدها في شخص.

حتى الشجر في الجبال يشبه الشجر في المدينة، دائمًا يخبئ في جذوعه وفي شروشه وفي غصونه وفي ظلاله ما يخيف لا ما يخلب، وما يوحي بالغموض وبالفناء لا بما يوحي بالوضوح والحياة. فالأشجار في كل البلاد كأنها أشكال عدمية، شخوص لا تعرف لماذا ما زالت واقفة أو منحنية أو لماذا هرمت أو لم تهرم أو لماذا تحمل ثمارًا أو لا تحمل ثمارًا. فهو الذي أحب الأشجار صغيرًا لم يعد يحس نحوها بأي شعور، كان يعانقها فتصير كالهواء بين يديه، وكان يتسلقها وكأنه يتسلق ضوءً شفافًا وكان يلتجئ إليها كما يلتجئ إلى مكان آمن وحنون، بل وكان يحس بينبوع حت كل شجرة، بل وكان أحيانًا يقلد وقوف الأشجار، وحفيفها، وميلانها، واهتزازها، وصمتها.

وكان أحب إليه السرو، والصفصاف والحور، والزيتون، وإن اختلفت أسرارها وأشكالها وروائحها. ويذكر أن أول ما حاول رسمه في طفولته شجرة وتحتها ينبوع، وظن من رأى “الرسم” أن الشجرة تشبه الهواء، وأن الينبوع امرأة مرسلة الشعر والصوت. ويظن أن علاقة الناس بالشجر لم تعد تختلف كثيرًا عن علاقته بها، فهم يقطعونها في الجبال والغابات والمدن بغزارة مشهودة وبآلية باردة، كما يقطعون شرائح اللحم، وتحولت مع الوقت إلى كتل متعاقبة متتالية بلا تاريخ ولا رمز ولا حتى جمال. لقد تركوا أمر الاندهاش والتمتع بها للأطفال وللقاصرين. يذكر جيدًا كيف يغزو “المؤمنون” في أعياد الميلاد غابات الصنوبر ويقطعونها من جذوعها، ثم يعرضونها للبيع، لتعلق فيها اللمبات والزينة احتفالًا بالمناسبة المجيدة. بالطبع تغير شيء من هذه العادات إذ استبدلت الشجرة الحقيقة بشجيرات من البلاستيك المصنوعة لهذه الغاية، وكثير من أطفال المدينة لم يتسن لهم رؤية شجرة حقيقة إلا في أفلام السينما أو المسلسلات التلفزيونية، لا يفرقون بين شجرة أصلية وأخرى مفبركة، ولا يميزون أحيانًا بين عبق صنوبرة من الجبل وعبق أي صنف من أصناف الخضار. في الماضي كان يتأثر عميقًا بهذا الواقع، ويدعو إلى حماية البيئة الطيور والأشجار والهواء من التلوث، والحشرات والزواحف والأنهار والبحار والكهوف، ويدعو الأجيال الجديدة إلى التعرف إلى الطبيعة مصدر الحياة والنقاء والصفاء والطهارة وإلى عدم التخلي عن عادات القرى والدساكر والأرياف والجبال وعن ناسها، ويذكر أنه كان ينتظر “عيد الشجرة” وأغاني الأخوين فليفل وخطب الرسميين والمدرسين والتلامذة بفارغ الصبر.

لكن ماذا حدث؟ لا شيء وكل شيء أيضًا. الحروب فضحت وأزالت الفروق بين كل الأمكنة والبشر، وبدا له بعد كل الفظائع والمجازر أن أهالي الأعالي وسكان الهواء النقي وجيران الشجر والينابيع والثلوج كانوا من سواد كثيف صفيق ومن نفوس شرسة قاسية لا تعرف الرحمة، أولم يرتكب كل أو معظم المجازر أهل الجرود وأبناء الطبيعة الساحرة والغارفون من الينابيع وسكان المرتفعات، والمزروعون في الأرياف الطهور والمباركون بالصلوات والعادات الأصيلة! أولم يغز هؤلاء المدن ويدمروها بغرائزهم الصافية، وبوحشيتهم اللامحدودة! أولم يحرقوا الغابات بنشوة عارمة وبغبطات نادرة؟

ولهذا لم يعد يجد أي فارق بين أن ينزوي في أعلى قمة ن قمم البلاد، أو في أصغر قرية، وبين أن يقطن في المدينة. والإنسان يمكن أن ينعزل حيثما شاء، والعزلة هي في الروح وكذلك في الجسد ولو بين ملايين الناس، وإذا تساوى كل شيء في الأعالي كما في السواحل كما في السهول تسقط المفاضلة. إضافة إلى ذلك إن السيد يطمئن إلى حي مكتظ ومختلط ومتكاثر أكثر من اطمئنانه إلى قرية صغيرة معروفة فيها كل الأسماء والتواريخ والغرائز والنزوات والأمكنة. فهنا، أي في المدينة، يمكن للمرء أن يذوب فيها، أن يعلن وفاته، وأن ينقطع عن الناس، وعن الحياة نفسها، وهذا مستحيل في القرى التي تعد سكانها كل يوم، تتفقدهم. فالقرية ذاكرة، والمدينة نسيان. إضافة إلى أن أهل القرى والأرياف فضوليون، حشريون، ثقيلو الظل. يمكن، وبدون إنذار، أن يقتحموك في منتصف الليل أو قبل شروق الشمس، ولا مكن أن يسامحوك إذا لم تشترك في مناسباتهم وفي أفراحهم وفي أتراحهم وفي مشاكلهم، فأنت واحد من قبيلة مهما تباعدت. حتى عندما مُدنت القرى والدساكر وازدهرت بفضل الحروب، وتكونت فيها ما يشبه الحواضر، فإن هذه الفضولية لم تضعف. فالقرية أو البلدة أو الدسكرة يجب أن تكون بباب واحد، يدخل ويخرج منه الجميع.

لكن إذا تجاوزنا العزلة التي يتمسك بها السيد ويعمقها بممارسة يومية صارمة، وقاسية، فإن أسبابًا أخرى لا يجهر بها ولا يحب أن يتذكرها، وراء مغادرته البلدة (القرية) بل يمكن القول إنها أكثر من أسباب موضوعية وظروف: هي جروح، جروح في كل مكان، في الجسد، وفي الروح، وفي الفكر، وفي التذكر، وفي الأمكنة، وإذا استطاع المرء أن ينسى الأسباب والذرائع فكيف يمكن أن ينسى الجروح“.

* النص من كتاب (منديل عطيل ) فصل ( أربعة جدران أخرى ) الصفحات من 57-62.

الأربعاء 16رمضان 1442هـ الموافق لـ 28أبريل 2021

أنا أتواصل.. فأنا حيّ

وهكذا أصبح الفرد محرّكا سرديًا لا ينطفئ، تستدرجه كل فرص التواصل مع الآخرين التي توفرها التقنيات الجديدة إلى سرد ذاته. تحرضه علامة الـ«أونلاين» على تواصل مع الآخر هو في الواقع سردٌ لا ينقطع للذات. وما يثير الاهتمام أن أكثر ما يسمى قصة في الوسائط الاجتماعية زائلٌ وعابر ويدمّر نفسه بعد أربع وعشرين ساعة من مشاركته. 

علي المجنوني في مقاله: كيف أصبح كل شيء قصة.

لا يكاد يمرّ يوم على أحد منّا إلا وهو يسأل نفسه السؤال: هل أنا بحاجة للانغماس في بحر المعلومات الذي يواجهني، أو أنّ العزلة المطلقة هي ما تصلح لي؟ وهل لو تأمنّ لي مستلزماتي الأولية القادرة على سدّ احتياجاتي هل سأستغني عن العمل؟ هل الراحة هي الأصل أو العمل؟ وهل نحن وحدنا؟

ديفيد هنري ثورو [ ولدن ] صـ 11

كثيرة هي الكتب التي تحكي عن العزلة وضرورتها لالتقاط الأنفاس، والأمر ليس متعلقاً بمجتمع صناعيّ كالذي نحيا فيه، لا يكاد المرء يفتح عينيه فيهما حتى يغلقهما من شدّة التعب والسعي، ودون وعي كامل بما جرى فيه.. وتمضي السنون عليه وكأنّها أيام أو أسابيع ثم يفجؤه المرض أو الموت وهو لّما يشعر في قراره نفسه أنّه عاش حقاً، بل حتى في المجتمعات القديمة البسيطة نسبياً والتي لم يكن قد وصل لها قطار التقدّم والرفاهيّة كما هو الآن.
ومن الكتب التي مرّت بي عن العزلة وفضلها كتاب [ ولدن ] لديفيد ثورو، والكتاب في زمنه (القرن التاسع عشر الميلادي ) كان ثورة ضد عادات المجتمع التي تلزم المرء بأشياء لا يحبها ولا يرغب بها.
وأرشح لكم قبل قراءته الاطلاع على ما كتبه ممدوح في تدوينته [ والدن.. كاهن الغابة ].

غلاف الطبعة الإنكليزية من كتاب [ ولدن ]


أعجبني ما قاله أحد الأصدقاء عن العزلة أنّ أحدهم ينعزل فترة من الزمن ثم يأتي ليخبرنا ما فعل في وقت العزلة! وهذه المفارقة المضحكة التي قد نقع فيها كلنا تشي بنوع من اللذة والمتعة في الحديث عن النفس خصوصاً حين تقوم بعملٍ مفارقٍ للعادات المتبعة في مجتمع ما، مع أنّ هدف العزلة الحقيقي= الانتفاع بها شخصياً والنظر إلى داخل النفس لا خارجها، لكن ذلك لايمنع من المشاركة في التجربة – بعد انقضائها – وحبذا لو كانت موضوعيّة دون مسحة بطولة.

من الأشياء التي عوّدتنا عليها وسائل التواصل الاجتماعي [ فورية التفاعل ] وجرعات الدوبامين اللحظية، فأنت تكتب منشوراً ويأتيك في الوقت نفسه التفاعل عليه، وتضع تغريدة فيأتيك الرد في لحظتها، وتنشر صورة لك فتجد بعد دقائق “قلوباً” عليها.
وهذا عكس ما تربيه التدوينات في النفس من “تأخير” المتعة أو حتى فقدانها تماماً بعدم رؤية التفاعل، فأنتَ هنا تكتب لا لتتلقى المديح، ولا تنتظر تفاعلاً عاجلاً، بل تكتب لأنّك ترغب بذلك، وربما تأتي الفوائد لاحقاً، وقد يقرؤك عدد كبير دون أن يعبّروا عن إعجابهم بما قرأوا.. وهذه نقطة تُحسب لها بأن تربي نفسك على البذل دون انتظار المكافأة.

شخصياً لا أعرف أي الأمرين أفضل، لكني أحبّ أن يكون التواصل بين البشر تواصلاً سليماً صحيّاً غير مشوب بمصلحة مؤقتة، وأن تستمر آلية التفاعل البشري بالحضور الذاتي، والابتسامة، والكلام المنساب المعبّر عن حقيقتنا.
أتمنى ألا يسرقنا الوقت لكي ننظر وراءنا في مشوار حياتنا ونراها مجرّد “شذرات حياة” أن نحيا حقاً بالتواصل الفعّال الذي يتحول بعد مدة إلى جرّة ذكريات محسوسة نأخذ منها في أوقات العوز، ونتكئ عليها في الليالي الجافة.

يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ (لِتَعَارَفُوا) إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ.

مصدر الصورة البارزة: unsplash

الثلاثاء 15 رمضان 1442هـ الموافق لـ 27 أبريل 2021 م.

النُكتة

لا يثير غيظي شيء بمقدار رؤيتي شخصاً يضع ميمزاً* أو مقطع فيديو مضحك على وسائل التواصل، أو يسرد نكتة محكمة ثم يقابل من الطرف الآخر بالبرود أو طلب الشرح؛ فالنُكت – عندي – لاتُشرح ولا تُحلَلّ، ولو فعلنا ذلك ماتت بهجتها.
أفهم أن ردات فعل الناس على شيء مضحك مختلفة، ربما لا يرونه مضحكاً أساساً، أو يرونه سخيفاً، أو لعله في وقت تلقيهم النكتة لم يكونوا في مزاج رائق، أو أن ذهنهم مشغول بمصيبة حلّت بهم أو بأحد أحبابهم، كل هذه مفهوم ومقدّر، لكن حديثي عن غير ذلك تماماً.
حديثي عن الحالة الطبيعية التي يكون فيها كل السياقات تشير إلى أنّ حدثاً مضحكاً قد وقع، وطرفٌ ما تلقاه ببرود أو عدم فهم.

تعريف النُكتة:

هناك إشكاليات كثيرة في تحديد معنى النكتة، وتعريفها تعريفاً شاملاً دقيقاً، ومع ذلك يقول (عبدالله الهاشمي) عنها: “تقنية لغوية بالغة التكثيف والسخرية، شديدة النفاذ بمضامينها المركزة التي تغني الواحدة منها عن مقال كامل أو حديث مسهب”.
حتى أنّ لفظة النكتة في تراثنا الإسلامي كان لها معنىً اصطلاحياً مختلفاً عما يتداول اليوم، فحسب ما ذكر(الشيخ عبدالله الفوزان) عن معاني النكتة فهي تأتي بـ 3 معان:
1- العبارة المنمقة الجميلة.
2- “مسألة دقيقة أخرجت بعد نظر وفكر” وهذا ما يأتي كثير في كلام أهل العلم.
3- “الجملة اللطيفة التي تحدث في النفس انبساطاً” وقد تكون بهذا المعنى مرادفة للفكاهة.

فهم النُكات.. عملية معقدة

بعد أن قرأتُ عدداً من الكتب حول موضوع النكتة والضحك، وكيف أنّ الموضوع يختلف جذرياً من بلد لآخر، ومن ثقافة لأخرى، بل حتى داخل البلد الواحد، فما يتعارف عليه أصحاب منطقة ما لا يعده آخرون من غير منطقة مضحكاً، ومن المعروف أنّ الحماصنة (أهل حمص) مشهورون بخفّة الدم وسرعة البديهة والنكتة الحاضرة حتى في المخيال الشعبي العربي، ومع ذلك فبعض النكات إذا هاجرت من منطقة جغرافية محددة إلى منطقة أخرى تفقد رونقها وتصبح عسيرة الفهم على الذهن.

منذ مدة قصيرة شاركتُ في حسابي بتويتر وقلتُ إنّ الظرافة أو خفّة الدم ليست مشاعاً لكل أحد، ولا يحسنها كل الناس، وفي المقابل أيضاً لفهم النكات يجب توفر عدة عوامل رئيسة في الطرف المقابل منها:
1- فهم اللغة المحكية.
2- فهم السياق العام لها.
3- سرعة البديهة.
ومما أكد لي هذا الظنّ مقطعاً جميلاً لآدم فيلبس ( مرحباً حنان انظري من ذكر اسمه هنا ) يحكي فيه عن النكتة يقول فيه: “لو قلتُ لك سأخبرك بنكتة عظيمة؛ فأنا لا أستطيع إخبارك بنكتة عظيمة، أستطيع إخبارك نكتة وأنت ستخبرني إذا ما كانت عظيمة بردك.
إذا سردتُ نكتة الآن قد تكون مُحرجة حدّ الإيلام، أو ناجحة بشكل مدوٍّ، ولكنها ستكون نوعاً من اختبار المحبة للجمهور، هل نحن معاً في هذا أم أنني في الحقيقة معزول/ منبوذ”.

آدم فيليبس/ النكتة

يمكنكم حضور اللقاء كاملاً هنا وهو لقاء رائع للأمانة.

هناك مراجع كثيرة لفهم هذه الظاهرة سأرشح لكم منها كتابين و3 مقالات إضافة لمقطع الفيديو السابق.

فلسفة الفكاهة تيري أيغلتون.. مصدر الصورة
كتاب الفكاهة والضحك للدكتور شاكر عبدالحميد

الكتاب الأول ( فلسفة الفكاهة ) لتيري إيجلتون.
الكتاب الثاني ( الفكاهة والضحك ) لشاكر عبدالحميد.



أما المقالات
1- الظرافة – رجا حلواني وإليوت ليدا.
2- النكتة أصلها وحقيقتها.
3- النكتة لغتها ووظائفها.

رجاء أخير: لو كنتَ من مستخدمي الفيبسوك ومرّ معك منشور مضحك أو صورة ميمز أو فيديو ساخر لا تضع لايكاً أزرقا ( من شو بيشكي الأضحكني) إذا ما أضحكك لا تحط شي يخي.

* الميمز: للاستزادة عن ماهية الميمز(mems) مراجعة هذا الموقع ففيه سرد لطيف عن كل ميمز أجنبي ( شكراً واثق الشويطر عرفت الموقع منك).
مصدر الصورة البارزة unsplash

الاثنين 14 رمضان 1442هـ الموافق لـ 26 أبريل 2021م.

تربية القرآن بتهذيب النفس

تكاد بعض الآيات حين تقرؤها بتدبر وتمعّن مخالطة قلبك من جمال معانيها، ودقة توصيفها
قبل يومين؛ قرأتُ آيتين وجعلتُ أفكّر فيهما قبل أن أتوجه لكتب التفسير للنهل من معانيها ومعرفة أسباب نزولها فكانت درساً عجيباً

الآية الأولى: ﴿لا تَمُدَّنَّ عَينَيكَ إِلى ما مَتَّعنا بِهِ أَزواجًا مِنهُم وَلا تَحزَن عَلَيهِم وَاخفِض جَناحَكَ لِلمُؤمِنينَ﴾ [الحجر: ٨٨]
والآية الثانية: ﴿ وَلا تَمُدَّنَّ عَينَيكَ إِلى ما مَتَّعنا بِهِ أَزواجًا مِنهُم زَهرَةَ الحَياةِ الدُّنيا لِنَفتِنَهُم فيهِ وَرِزقُ رَبِّكَ خَيرٌ وَأَبقى﴾ [طه: ١٣١]

يأمر الله تبارك وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلّم بألا يمد عينيه ويتطلعَ بقلبه إلى رزق غيره – وحاشاه أن يفعل – لكن هنا ألمح تربية إيمانية له، وللصحابة، ولنا من بعده
من طبائع الأشياء التي لا انفكاك عنها بروز فكرة “المقارنة” في كل شيء.. بدءاً بالأشياء المادية، وحتى المعنوية، ففلان بيته أكبر من بيتي، وراتبه أكثر من راتبي، وعمله أفضل من عملي، ووجهه أجمل من وجهي، ومكان سكنه أفضل من مكان سكني، وحظّه أفضل من حظي ( ويمكنكم وضع قائمة لا نهائية من المقارنات التي تعرفونها والتي ترتبط ارتباطاً مباشراً بحياتنا اليومية)
هل فكرة المقارنة دائماً سيئة؟ الحقيقة أنّها لا؛ فليس كل مقارنة تؤدي إلى التسخط وتنزع الرضا من قلب العبد، لكن فكرة “الاستحقاقية” هي التي قد تؤذي إيمان العبد، وتودي به إلى حافّة الشكّ وعدم الرضا

ما منّا أحدٌ إلا ويرغب بأن يكون وضعه الماديّ في أفضل حال، وصحته كذلك، وعلاقته، وكل شؤون حياته، وليس تطلّب الحياة الكريمة عيباً ولا مثلبة
لكن الملمح الذي أراه من الآية هو أكبر من مجرّد المقارنة، إنها تربية للنفس على غض البصر عمّا عند الآخرين مما لا حظّ لي فيه ولا مكسب، وكذلك الأمر تعويدها على الرضا بما بين يديها من نِعَمْ
جرّب افتح حسابك في إنستاغرام لمدة نصف ساعة، وشاهد قلبك كيف يكون بعد جولة على حسابات مشاهير يتجولون في بقاع الأرض، ويأكلون ما لذّ وطاب
لا تكذب على نفسك وتقول إنّك لا تتأثر بما تراه، فهذه حقيقة مشاهدة يعرفها كل واحد فينا، كل مانراه/ نسمعه/ نقرأه / نعيشه يؤثر فينا بشكل أو بآخر، لكن السعيد فينا من يعرف ماهي الأسس التي بُنيَت عليها هذه المُتع، وما هي مآلاتها
وفي ملمح آخر وهو إغلاق باب الحسدُ عن الآخرين، فالتطلّع لما بين يديهم قد يثير فيك شعوراً بالحقد عليهم – وهم لا علاقة لهم بذلك – أو الغيرة المرضية التي تلتهم قلب صاحبها بنارٍ لا تنطفئ
لا تمدّن عينيك إلى شهادات الآخرين وأنت لم تنلها
لا تمدّن عينيك إلى بيوت الآخرين وأنت تسكن في بيت متواضع
لا تمدّن عينيك إلى علاقاتهم، حيواتهم، مشاربهم، مآكلهم
لا تمدّن عينيك إلى ما غاب عنك، والتزم الأمر الرباني والهديَ النبوي

أما تفسير الآية ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَينَيكَ إِلى ما مَتَّعنا بِهِ أَزواجًا مِنهُم زَهرَةَ الحَياةِ الدُّنيا لِنَفتِنَهُم فيهِ وَرِزقُ رَبِّكَ خَيرٌ وَأَبقى﴾ [طه: ١٣١] كما جاء فيالتحرير والتنوير” لابن عاشور رحمه الله

وَمَدُّ الْعَيْنَيْنِ: مُسْتَعْمَلٌ فِي إِطَالَةِ النَّظَرِ لِلتَّعْجِيبِ لَا لِلْإِعْجَابِ، شُبِّهَ ذَلِكَ بِمَدِّ الْيَدِ لِتَنَاوُلِ شَيْءٍ مُشْتَهًى. [ 1]

وَجُمْلَةُ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى تَذْيِيلٌ، لِأَنَّ قَوْلَهُ وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى آخِرِهِ يُفِيدُ أَنَّ مَا يَبْدُو لِلنَّاظِرِ مِنْ حُسْنِ شَارَتِهِمْ مَشُوبٌ وَمُبَطَّنٌ بِفِتْنَةٍ فِي النَّفْسِ وَشَقَاءٍ فِي الْعَيْشِ وَعِقَابٍ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ، فَذُيِّلَ بِأَنَّ الرِّزْقَ الْمُيَسَّرَ مِنَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ وَأَبْقَى فِي الدُّنْيَا وَمَنْفَعَتُهُ بَاقِيَةٌ فِي الْآخِرَةِ لِمَا يُقَارِنُهُ فِي الدُّنْيَا مِنَ الشُّكْرِ.[ 2 ]

وخَيْرٌ تَفْضِيلٌ، وَالْخَيْرِيَّةٌ حَقِيقَةٌ اعْتِبَارِيَّةٌ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ نَوَاحِيهَا. فَمِنْهَا: خَيْرٌ لِصَاحِبِهِ فِي الْعَاجِلِ شَرٌّ عَلَيْهِ فِي الْآجِلِ، وَمِنْهَا خَيْرٌ مَشُوبٌ بِشُرُورٍ وَفِتَنٍ، وَخَيْرٌ صَافٍ مِنْ ذَلِكَ، وَمِنْهَا مُلَائِمٌ مُلَاءَمَةً قَوِيَّةً، وَخَيْرٌ مُلَائِمٌ مُلَاءَمَةً ضَعِيفَةً، فَالتَّفْضِيلُ بِاعْتِبَارِ تُوَفُّرِ السَّلَامَةِ مِنَ الْعَوَاقِبِ. [ 3]

[1] التحرير والتنوير/ تفسير سورة طه / صـ 340
[2] التحرير والتنوير / تفسير سورة طه / صـ 340
[3] التحرير والتنوير / تفسير سورة طه / صـ 341

الأحد 13 رمضان 1442هـ الموافق لـ 25 أبريل 2021م .

مصدر الصورة البارزة: unsplash

تلخيص كتاب [التأثير السيبراني.. كيف يغيّر الإنترنت سلوك البشر] ماري آيكن.

صورة غلاف الكتاب بالترجمة العربية

مقدمة:



“ربما لا نشعر بالخوف من التعرض للأذى من قبل شخص لم يرنا في الحياة الواقعية؛ وفي رغبة عاجلة لتكوين رابطة معه نكشف الأسرار عن حياتنا بلا تردد”وهذا ما دعته “ماري آكين” باسم غرباء في قطار، وكيف أنّنا ننجرف للبوح بأشياء حميمة جداً لأشخاص لا نعرفهم ظنّاً منّا أنّ هذه “الفضفضة” لن تؤثر علينا، فهل هذا الشيء صحيح؟

«حين يتصادم البشر مع التكنولوجيا»

بهذا العنوان استفتحت ماري كتابها والذي يدرس بشكل تفصيلي أثر الواقع السيبراني على حياة البشر.تبدأ ماري بقولها إنّ المرحلة التي نعيشها اليوم في ظل الانفتاح التكنولوجي تشبه إلى حد بعيد حقبة التنوير التي سادت مطلع القرن [ 17 و 18 ] الميلادي، حيث أنّ الفضاء السيبراني أصبح مزحوماً لدرجة مرعبة، وتقول التوقعات إنّه بين عامي 2005- 2015 تضاعفت أعداد الأشخاص على الإنترنت 7 أضعاف.

أول ما تؤكد عليه ماري أنّ الفضاء السيبراني ليس شيئاً افتراضياً كما نحن نظنّ، بل الحدّ الفاصل بين الواقع والافتراضي يكاد يكون معدوماً،وهذا ما يدعونا إلى إعادة النظر في طبائعنا، وكيف أصبح تقريباً كل الناس الذين نعرفهم مهاجرين إلى الفضاء السايبراني، وهذا ما يدعونا لمعالجة كل القضايا في ظل هذه التغيرات.

الفصل الأول: الشذوذ يتحوّل إلى حالة اعتيادية:

تقول ماري إنّه من الأوهام المنتشرة أنّ البيئة الافتراضية أكثر أمناً من البيئة الواقعية، أو أن يظن الشخص كونه متخفياً وراء اسماً وهمياً سيكون أكثر حماية لنفسه وهويته، وهو ما يشجع حالة “الاعتداد بالنفس”.

وتقول أيضاً إنّ حالة الشذوذ [ وليس الشذوذ الجنسي فقط ] بل كل فعل شاذ مهما بدا غريباً سيجد له مصفّقون في البيئة السايبرانية، وكيف أنّ هناك مواقع غريبة جداً ومتاجر وتجمعات لبيع أشياء غريبة وتعويذات جنسية ما كان لها الانتشار لولا وجود البيئة المشجعة لذلك.يضاف له نشر الروايات والأفلام والمسلسلات الحوارية وتقديم الإعلام لذوي الاهتمامات الغريبة كنوع من الحريّة الشخصية ساهم في جعل أي شيء غريب مقبول اجتماعياً بكثرة عرضه وتكرار أنّه فقط مختلف عنك.

ومن الأشياء الخطيرة التي نبّهت لها في هذا الفصل حديثها عن [التآلف السيبراني ] وكيف أنّ البيئة السيبرانية حاربت الوحدة والعزلة عن طريق فتح باب التعاطف والألفة لأي شخص ينضم لمجموعة ما، وهذا ما أستطيع تسميته بالشللية، فالقراء ومحبي القطط ولاعبي الكرة ومحبي الأغاني العاطفية والمهتمين بتاريخ الفراعنة كلّ واحد من هؤلاء سيجد شلّة ينضم لها، وهذا بحد ذاته ليس شيئا ًسلبياً، لكن الأثر الذي يستتبع هذا الانضمام وتأثيره على سلوكيات أعضاءه هو ما يستدعي الانتباه.

وتقول إنّ المباهاة في الفضائح وخصوصاً عند المشاهير أصبح سمة رائجة في الفضاء السيبراني وليس له من تفسير سوى ما يعرف باسم [ الافتضاح السيبراني ] وهو أمرُ مقصود لذاته ويفعله السياسيون والمشاهير بغية البقاء في الأضواء وجلب الأنظار إليهم حتى ولو عرضوا أنفسهم لمهانة وإذلال.



الفصل الثاني: إدمان الإنترنت:



في الأعوام الماضية دخلت كلمة “إدمان الإنترنت” على القواميس اللغوية الغربية، وأًصبح لها تصنيف في أغلب الدراسات النفسية التي تعالج مشكلة الإدمان عموماً، وتوضح المؤلفة أنّ السبب الرئيس الذي يدفع المستخدم للإدمان على الإنترنت أشياء كثيرة لكن أبرزها ما سمّته ” الإغراء المتقطع” أو “متعة الفشل” وشبهته بالطريقة التي يتعامل بها الفرد عند شراءه بطاقة يانصيب وهويعلم بنسبة 99% أنه لن يفوز بها ومع ذلك يشتريها على أمل الفوز مرّة.

وكيف أنّ الجرعات الصغيرة التي تمنحها مواقع التواصل الاجتماعي من الدوبامين للدماغ تجعله مرابطاً أمام الأجهزة على أمل أن يأتي شيء جديد يسرّه.
واجترحت المؤلفة عبارة” أنا أبحث إذاً أنا موجود” وكيف أنّ الفضول وحده هو ما يجعل الشخص يجلس ساعات طويلة دون فائدة حقيقية وهو يشعر أنّه يحسن صنعاً.
ثم تنتقل إلى فكرة اختبار الإدمان وكيف أنّ 12% من البالغين في أمريكا مصابون به، و90% من الشعب الأمريكي يستخدم الفضاء السيبراني بشكل فوق الحاجة.
ثم تعرّج على فكرة “التسوق القهري” وكيف يؤثر على السلوكيات عند البشر، ومن ثم تذكر فكرة إدمان الألعاب الإلكترونية وإدمانها وخصوصاً من قبل الشباب المراهق، وأنّ”اضطراب ألعاب الإنترنت” يصيب فئة كبيرة من الشريحة العمرية بين 12-20 عالمياً.
ونبّهت إلى أنّ مواقع الإنترنت وتطبيقات التواصل الاجتماعي والألعاب مصممة خصصياً كي يُدمن عليها الشخص.



الفصل الثالث: أطفال السيبرانية:



وهذا فعلياً أخطر فصل فيما يخصّ الأطفال في هذه البيئة لأنّهم المتضرر الأكبر، ونادراً ما يُتنبه لهم، وكيف أن طغيان الواقع السيبراني جعل الأطفال ينشئون في بيئة غير صحيّة، و أنّ كل برامج إلهاء الأطفال الإلكترونية لا تساهم في نموهم نموا طبيعياً ولن يكون أبداً بديلاً عن صوت الأم والأب الحقيقيين، وعن الألعاب البسيطة التي تناسب عمره.
وتقول بصراحة: “إنّ الإنترنت بيئة غير صالحة للأطفال قبل الـ 14″، فما بالكم بأطفال يكون مهم أجهزة ويتاح لهم الدخول على الإنترنت في سن الثالثة والخامسة!؟



الفصل الرابع: فرانكشتاين والفتاة الصغيرة:



تقول المؤلفة: “هل تأخذ طفلك إلى مدينة نيويورك وتتركه هناك وحده؟ هذا بالضبط ما تفعله حين تتركه وسط الفضاء السيبراني وحده”.
المرحلة العمرية من حياة الطفل من عمر 4 إلى عمر 12 تعدّ من أبرز المراحل التي يتم فيها تشكيل هويّته ومعارفه وعلومه، والأرقام المفزعة تقول إنّ 84% من الأطفال في هذا العمر قادرون على الولوج إلى شبكة الإنترنت وهذا ليس أمرًاً مفرحاً.
تؤكد ماري أن هناك أكثر من 20 مليون قاصر مشترك في الفيس بوك مع أنّ العمر المحدد لاستخدام هذه المنصة هو 13 سنة، وأنّ الطفل مفطور على الاستكشاف والفضول وهناك أشياء كثيرة [ إباحية ونفسية وعنيفة ] لا تصلح للأطفال ولا لنفسيتهم.
ثم تحدثت عن “تأثير المتفرّج” وكيف أنّه كلّما زاد عدد الحشود المشاهدين لجريمة ما، أو حدثٍ يتطلب تدخل ما، فإنّ احتمالية التدخل تقلّ كلّما زاد عدد الحشود، حيث تقلّ المسؤولية عنهم بازدياد العدد تحت احتمال “لا بدّ أن يتدخل أحد لكن ليس أنا”.
طبعاً هناك شروحات كثيرة لهذا المصطلح، وتفسيرات نفسية وعلمية له، لكن ما يهمني فيه هو ما يتصل بحياتنا اليومية وخصوصاً على مواقع التواصل الاجتماعي، حين يتعرض شخص ما للتنمّر مثلاً أويتعرض للتحرش اللفظي، ويقع هذا تحت سمعنا وبصرنا، فإنّ نسبة من يهبّ لمساعدته والدفاع عنه تكون قليلة.
وهذا ما يفسّر بعض الحالات التي ربما نراها في الأفلام والواقع عندما يتعرض أحدٌ ما للسرقة أو الاعتداء فإنّك ترى الغالبية تشاهد الحدث دون أن تتدخل، ربما تكون منزعجة مما يحدث، لكن يدور في خاطرها أنّ شخصاً ما سيتدخل ويساعد لكن ليس أنا.
هذا بالنسبة للكبار، فكيف سيكون الأثر على الأطفال؟وتختم قولها بأنّ الرقابة الأبوية ليست حلاً جذرياً بل ربما يكون المرونة والتفهم والاستماع للطفل ومراعاة ظروفه مع الحسم والضبط قد يؤتي نتائج جيدة.



الفصل الخامس: مراهقون وقرود ومرايا:



رأيي أنّ هذا الفصل من أجمل فصول الكتاب لما فيه من لمسات نفسية وتحليل لما وراء الأفعال التي نراها عادية، وتبدأ بالحديث عن السيلفي وكيف أنّ المراهقين عموماً لا يأبهون لما يفعلونه في الفضاء السايبروني، وأنهم في بداية عمرهم يسعون قدر الإمكان لإثبات ذواتهم وهويتهم، وبعضهم لديه “احتياج مرضي” للاهتمام.
النقطة الأساسية برأيي في هذا الفصل هو التأكيد على أنّ لكل مستخدم للإنترنت ذاتان، واحدة افتراضية والثانية واقعية، وكل واحدة منهما تتغذى على الأخرى، وأنّ مواقع التواصل تساعد على بناء الذات السايبرانية وتضخميها وتجميلها، وفي العموم فإنّ المستخدم يستمد نظرته لنفسه من خلال 3 محاور: – نظرته لنفسه في الواقع -القيمة التي يضيفها-الرغبة في إثبات ذاته من خلال تفاعل الآخرين معه وكيف أّنّ المراهقين لديهم حساسية خاصة تجاه ذواتهم وبعضهم مصاب فعلياً بالنرجسية المرضية التي تسعى دوماً للفت النظر والسعي نحو الإعجاب.
تقول ماري: إن كل مراهق يضع هذه القاعدة أمام عينيه حين ولوجه لعالم الإنترنت:” أرى من السهل أن أكون نفسي على الإنترنت أكثر من أن اكون مع الناس وجهاً لوجه”.



الفصل السادس: رومانسيات الفضاء السايبروني:



تحدثت في هذا الفصل عن علاقات الحبّ الناشئة عبر الإنترنت، وكيف أنّ الحب الافتراضي إن بقيَ في هذا الفضاء فهو غير حقيقي بشكل كامل، وكيف أنّ المرء يفعل ويقول أشياء لا يفعلها عادة في الواقع متأثراً بفرضية “عدم رؤية الآخر”.
تقول ماري:” إذا كان الانطباع الأولي إبجابياً فإنّ الفراغات التالية من العلاقة ستملأ تلقائياً بشكل جيّد”.
ثم تعرّج على ذكر أشهر مواقع التعارف [ تيندر وأشلي ماديسون ] وعدد الخيانات الزوجية وأسبابها وتوضحّ أن الخيانة في هذا الفضاء أسهل وأيسر وأقل كلفة.



الفصل السابع: السايبركوندريا ينبوع القلق:



في هذا الفصل تتحدث بشكل مفصّل عن أمر يقع لنا جميعاً حين نبحث على الإنترنت وبشكل خاص عن المعلومات الطبيّة، كيف أنّ الأمر يبدأ استكشافاً وفضولاً ثم يتحول لقلق قد لا يكون له أي أثر من الصحة، وقالت إنّ هذا الأمر يخضع لمرشّحين أساسين: الشك و الخطر المحتمل.”
الشبكة العنكبوتية تملك القدرة على تصعيد القلق لدى الناس الذين يفتقرون للخبرة أو لديهم خبرة قليلة”وأنّه يُدفع سنوياً 20 مليار دولار على استشارات طبية غير ضرورية والسبب الرئيس هو “القلق غير المبرر”.



الفصل الثامن: أسرار وخفايا الأعماق:



وفي هذا الفصل تتحدث الكاتبة عن الإنترنت المخفي Dark web وشبهته بالبحر الكاريبي في القرن 17-18 وأنّ القراصنة الذين يخوضون فيه يشبهون إلى حد كبير القراصنة في ذلك العصر، وكيف أنّ كل ما نستخدمه من إنترنت لا يمثل سوى 2 -4 % من رأس جبل الجليد، والباقي كله مخفي.وما يجعل الإنترنت المخفي مربك كونه غير منظم وغير قانوني وبيئة خطرة لانتشار الجريمة ويصعب على الحكومات ضبط حركته بشكل دقيق، ثم تتحدث عن كون “البيتكوين” خرج إلى الناس من هذه البيئة الغريبة، وأن أغلب هجمات المخترقين المحترفين تبدأ منه، وحتى شركات الحماية غير قادرة على صدّ هجمات البرامج الضارة سوى بنسبة 5 بالمائة فقط.



الفصل التاسع :الجبهة السيبرانية:



الفصل الأخير وفيه تعرض فكرة أنّ الهروب من معالجة المشكلة ليس حلاً وأنّ الإنترنت جعلنا وجهاً لوجه أمام التيار ولا مناص من المواجهة، وحت لو فضّلت الانعزال كلياً فهذا لن يكون حلاً فالآثار ستلاحقك أينما كنت، وتضع بعض الحلول لمعالجة أخطار السايبرانية المفتوحة، بزيادة الوعي والقراءة والإدراك لأخطارها، وبالتفكير جدياً بكيفية الاستفادة منها دون الوقوع في براثنها، وأنّ الحلول الفردية لا تنفع إن لم تؤطر بقوانين دولية وعالمية ترعاها ومبادرات إنسانية تحمينا من أضرارها.” إنسانيتنا هي أثمن ما نملكه من مدخرات تتعرض للخطر،وعلينا حمايتها بكل السبل”.

خاتمة:



طبعاً هذا كلّه لا يُغني عن قراءة الكتاب الأصل الذي أراه مهماً لكل مستخدم لشبكة الإنترنت.
حاولت قدر الإمكان الإلمام بأغلب أفكار الكتاب دون الانزلاق لشرح تفاصيل الموضوع، وفي نفس الوقت ذكر بعض الأفكار الرئيسية لمن لا يطيق قراءة الكتاب كاملاً.

*المراجعة منشورة في حسابي في الـ goodreads لأول مرة.


السبت 12 رمضان 1442هـ الموافق لـ 24 أبريل 2021م.

أسوأ المهن في التاريخ

في عام 2018 وفي معرض الكتاب في إسطنبول حظيتُ بفرصة لاقتناص بعض الكتب المميزة بأسعار لا يحلمُ بها أكثر القرّاء، والتوفيق المحض كان وراء هذه الفرصة، فلم أخطط لها، بل جاءتني على طبق من ذهب.. وإليكم تفاصيل القصة:

من المعروف أنّ كل دار نشر حين تشارك في معرض للكتاب يكون لديها هامش ربح مقدّر مسبقاً، وتقوم بعض الدول المستضيفة بمساعدة الدور المتعثرة إما بشراء نسخ بكميات كبيرة وتوزيعها على المكتبات المحليّة، أو بتحمل قسم من الضريبة المترتبة عليهم جرّاء السفر والشحن والحجز الفندقي وأجور العاملين في المعرض.
وفي ذلك اليوم، كانت هناك دار نشر صغيرة – نسيت اسمها والله – لكني أذكر أنّه كان فيها شاب اسمه “محمد” دمث الخلق، لطيف المعشر، أصلع الرأس قليلاً، وأكثر ما يميزه أنّه حييّ – وهذه الميزة غالباً لا تصلح بالبيع والشراء – فكنت أراه حين يساومه المشتري على سعر كتاب يحمّر وجهه، ويتعرّق ويقول له: “مثل ما بدك ما منختلف”! وحين سمعتُ هذه الكلمة منه عرفتُ أنّ وراءه سرّ، فجعلته صيدي وخبأت ما أرغب به إلى اليوم الثاني.
وفي صبيحة اليوم الثاني كنتُ أول الحاضرين عند “محمد” وطلبتُ لي وله شاي وجلسنا نتحدث، ومن عادتي في المعارض أن أكسر حاجز التعارف بسرعة بيني وبين البائعين، وهم يعرفونني من كثرة ما يرونني في المعرض متجولاً بين الدور، ومشترياً، ومستفسراً عن الأسعار.
فقلت له: أبو حميد.. هات احكي لي شو قصة الكتب اللي عندك؟ فتلفت حوله وكأنه يريد أن يخبرني بسرّ وقال لي: للأمانة؛ هذه الكتب التي تراها ليست لي، بل وضعها عندي صاحب مكتبة يريد التخلص من الكتب بأي ثمن، ولا يهمه حتى لو بيعت كلها بلا مقابل! فأخذتها منه وجعلتها في الدار عندي أبيعها بأي سعر، لذلك تراني لا أفاوض كثيراً بها.
هنا لمعت في رأسي فكرة وقلت له: خيو أنا بشتريهن منك كلهم بشرط تعطيني سعر ما تعطيه لحدا غيري.
قال لي موافق لكني بشرط: الشراء يكون آخر يوم بالمعرض وسأضع لك النسخ التي ترغب بها جانباً حتى لا يأخذها غيرك.
وفعلاً تم الاتفاق، وبدأتُ أقتنص العناوين المميزة الموجودة والتي تهمني، وحصّلت وقتها أكثر من خمسين كتاب بين صغير وكبير ومجلّدات، وبسعر أخشى الإفصاح عنه خشية العين!

الغلاف العربي والأجنبي للكتاب


ومن ضمن هذه الكتب، الكتاب الذي وضعتُ اسم التدوينة به ( أسوأ المهن في التاريخ.. سرد لقصة ألفي عام من العمالة البائسة) وكنت أريد الحديث عنه لكن التدوينة طالت وأخشى الإملال عليكم، فلعله يكون في فرصة ثانية، وفي نفس الوقت أعطيكم بعض الإرشادات للتعامل مع البائعين في معارض الكتب ( نسينا كيف يكون شكل معارض الكتب بسبب الكورونا والله  المستعان).

لكني أؤكد لكم أنّ مهنة “بائع الكتب” ليست من ضمن قائمة أسوأ المهن في التاريخ، وإن كانت مهنة مرمنسة* كثيراً وظاهرها يخالف باطنها.
====================

* يتم التعامل مع مهنة بائع الكتب برومانسية مبالغ فيها أحياناً، ولا يرى الزبون من البائع سوى شخص يعيش يومه الكامل مع الكتب، والحقيقة أن هناك أعمالاً شاقة وراء هذه الصورة لا يراها أغلب الناس.

لم أنتبه إلى أنّ تاريخ اليوم 23 أبريل يوافق مناسبة اليوم العالمي للكتاب إلا بعد وضع التاريخ في آخر التدوينة، لكنها مصادفة لطيفة.

الجمعة 11 رمضان 1442هـ الموافق لـ 23 أبريل 2021

العشرية الأولى

هذه هي التدوينة رقم ( 10) في رمضان، وأنا سعيد بهذا الرقم ليس لأنّ ما أكتبه شيء خارق ومميز، أبداً والله، بل فرحاً بالاستمرارية

تلك العادة الصغيرة _ أياً كانت _ التي تبدأ شاقة على النفس، ما تلبث أن تتحول إلى كرة ثلج ضخمة

هنا يقفز إلى ذهني مباشرة وبشكل عفوي كل ما يتعلق عن الجملة الشهيرة التي لا أعرف قائلها الأول: “استمرارية السعي تقتضي / لا تقتضي حتمية الوصول” وطبعاً لست بصدد تحريرها ولا نقدها، لكن يهمني منها هو أمر واحد فقط: فعل التراكم.
يستحيل أن تفعلَ أمراً – مهما كان بسيطاً – وتداوم على فعله مدة زمنية وبشكل متواصل دون انقطاع إلا ويتحول هذا الفعل إلى جزء أصيل من شخصيتك، وحتى لو تخليت عنه لاحقاً، يبقى أثره باقياً فيك.

أمنا عائشة رضي الله عنها حين سئلت عن عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: “كان عمله دَيمة” رواه البخاري.
و«الدِّيمةُ» في الأصلِ: المطَرُ المُستمِرُّ مع سُكونٍ بلا رَعْدٍ ولا بَرْقٍ، ثمَّ استُعمِلَ في غَيرِه؛ شَبَّهَت عَمَلَه في دَوامِه مع الاقتصادِ بدِيمةِ المَطَرِ، وهذا اللفظ من أجمل ما مرّ معي عن التتابع المنظم الهادئ البعيد عن الصخب، عملة ديمة، أيّ أنّه يلتزم الأمر الذي يرغب به ويثبت عليه ويفعله بكل الأوقات والظروف.

من الأمثلة اللطيفة على عمل الديمة في مجال الكتابة ما يفعله سيث غودن (Seth Godin) في مدونته، حيث يكتب كل يوم تدوينة في مجال الإدارة أو التسويق ولا تتجاوز التدوينة أحياناً الـ 200 كلمة!
ومثل ذلك ما يفعله الصديق عبدالله المهيري في مدونته الجميلة صفحات صغيرة، والصديق يونس أيضاً في مدونته، وأكيد هناك آخرون لا أعرفهم لكنهم مستمرون على هذا الفعل الجميل.

وقالوا قديماً إنّ تتابع قطرات المطر على الصخر قادرٌ على أن ينحت فيها، وكذلك الأفعال اليومية الصغيرة سيأتي يوم وتكون جبلاً عملاقاً.

الخميس 10 رمضان 1442هـ الموافق لـ 22 أبريل 2021م .

وفاءً لأبي المعالي.. الشيخ علي أبو الحسن

أحبّه.. هكذا بدون أي مقدمات، ولأنّي أحبّه – فرّج الله عنه – أحبّ لكم أن تقرأوه وتشاهدوه وتسمعوا له.
ولأنّ كتبه غير متوفرة بيسر، وكثير منها غير متاح بشكل إلكتروني [ pdf ] فكّرت بأن أنشر لكم كل يومين مقالاً من كتبه.
مقال اليوم سيكون من كتاب [ لُقماني.. مقالات ربما ].


ومن لم يعتد على أسلوب الشيخ، فلا يستعجل الثمرة، اقرأ النص مرة ومرتين، ومرّره على عين قلبك حتى تستضيء من أنواره.

أمّ اللحظات.. استمساكاً لإطالة المُكث.

“جميـل أن يحتفـي المـرء بنفسـه ، مستحضراً اتساع معنـى الاحتفاء بمثـل قـول الخليل إبراهيم عليـه السلام في وصف الله تبارك و تعالى [ إنه كان بي حفيا ] مريم ( 47 ).
و أليق اللياقات و أرقاها ذوقا إفاضـة المـرء على نفسـه بـكل مـا يفيـض بـه مـن النبل و الفضـل علـى غيـره ، مستحضراً في ذلك مطلق قوله صلى الله عليه و سلم ” ابدأ بنفسـك”.

وفي صـورة مـن وديـة تواصلـي [ معـي ] تواصـلاً شفائياً مفعماً بطيـب الأنفـاس الـودودة ، تخاطبت [ إليّ ] قائلاً لـ[ آخري ] هذه الحكاية اللطيفة – وصفـك بالجنـون نـوع مـن التشـريف –

بدأت و أنا أتفيأ ظـلال سـروري ( بي ) مجالسـاً ( صامتـي ) الحقيقي .. فأسـر إلـيّ في حلاوة  من الأنس بـي قائلاً : ( عليّ ) صافح نفسك في الطريق إليـك، و تعانـق و إياك كلمـا تقـت، ولترِ صوتك الجوّاني طائـراً يقـودك، و عليـك بالزجل فقلبك حمامة، و اشتق مـن ثغرك المؤمل فجراً، و استدفئ عند العاديات بجمرة الإصـرار المتقدة، وأدمن الإبحار في بريق عينيك المشتاقتين، وتعطـر بحريق لوعات اللحاق، و تذكّر أن تجـرّب مغازلتك، فمحيـاك تـورد أدرنالينا، و اركب جواد سبق السبق عزماً، و تنورس فقـد استبدلت عن الأقدام بالأجنحة، وابتنِ جسـراً مـن كل نومة هجرتها، و أمطـر فـإن لك نفساً هطّالة، و اهتف للنجـوم الـتـي غفـت مـن فـرط الانتظار لتحتشـد، و حـدّق في طيـات كوامنـك مـن الجواهـر، و صـغ لـك منهـا فـأسـاً تـزرع بـه حقلاً للمرسـلات مـن الآمـال، و لتلقـك حالمـاً عنـد شـرفات ربيـع الصحـو، و لتكن مهنتك الإشراق و لتوقفـك شـادياً للمتعثرين في دروب العـرج بالفـرج، وانثر دموعـك في طريق الأقدام للإقدام زهـوراً، و احتفل بأنك لا زلـت تـراك، و ثق أنك الوليـد دومـاً مـا دمـت طـائـراً لا سائراً، وليكن أعظـم أدوية السفر حرقة !!
عندهـا تبستن صـدري و فاح منه عبيـر قميص يوسف على وجه يعقـوب صبـري فارتد نصيـرا.

بالمناسبة كانت هذه محاولة مني لتجريـب فـكـرة الغرق في اللحظة شعوراً بها و امتلاءً بما يمكن أن ينتج عنها، و هذا عادة ما أدرّب به نفسي على أن يكون لـي [ في اليـوم يـوم ] والوصية لمن طال عهـده [ بـه ] : جالسك تجـدك“.

وأرشح لك الاستماع قبل القراءة أو بعدها أو أثناءها على هذا الدعاء الجليل بصوته النديّ:

يوم الخميس 10 رمضان 1442هـ الموافق لـ 22 أبريل 2021م.

لماذا قد تكون أسماءنا المستعارة أصدق في التعبير عن حقيقتنا من الأسماء الصريحة؟

منذ أن قررتُ استخدام اسم “حلم حمص” في الكتابة على منصات التواصل  الاجتماعيّ؛ والأسئلة تأتيني عن سبب التسمية، ولمَ اخترتُ هذا الاسم بالذات؟ وإلى ما يرمز؟ وهل أنا مرتاح بالتعبير عن نفسي من خلاله حتى لو اختفى اسمي الحقيقي بسببه؟
كل هذه الأسئلة محقة، وبعضها لديّ إجابة شافية عنه، وبعضها الآخر لا زلتُ أفكر فيه للآن.


ولعلي أعود يوماً فأدّون مطولاً عن سبب اختيار الاسم ومناسبته، لكني أحبّ هنا أن أقول إنّ اختيار الأسماء الوهمية أو “الحركية” ليس أمراً جديداً، بل فعل هذا الأمر عدد كبير من الأدباء والكتّاب والسياسيين، ولا أقول هذا تشبهاً بهم، لكني قصدي إنّ التخفي وراء أسماء وهمية ليس أمراً مستغرباً كثيراً.


وحين بحثتُ قليلاً عن المشاهير الذين ارتدوا أسماءً ليست لهم وجدتُ عدداً لا بأس به فعل ذلك في بداية حياته، وبعضهم استمر في ذلك حتى وصلت شهرة الاسم المستعار – الحركي – أكثر من الاسم الحقيقي.


ولعل أبرز الأمثلة على ذلك، جورج أوريل ( واسمه الحقيقي إيرك آرثر بلير) وكذلك صاحب الرواية الشهيرة “أليس في بلاد العجائب” لويس كارول ( واسمه الحقيقي تشارلز لودوغ دودغسون).
والشاعر التشيلي الشهير بابلو نيرودا ( واسمه الحقيقي ريكاردو نيفتالي).
وقيل إنّ أول من لجأ إلى التخفي تحت اسم مستعار هو “فولتير” واسمه الحقيقي ( فرنسوا ماري أرويه) وكان الهدف من ذلك عدم الخلط بينه وبين اسم شاعر معاصر كان يحمل ذات الاسم.
ومن أبرز الأسماء المعاصرة  التي تخفت وراء اسم مستعار الكاتبة الإيطالية الشهيرة “إيلينا فيرانتي“.
 حيث نشرت أكثر من 8 روايات (أكثرها حضوراً في الذاكرة الرباعية الشهيرة: صديقتي المذهلة، حكاية الاسم الجديد، الهاربون والباقون، حكاية الطفلة الضائعة؛ والتي حولتها شبكة (HBO ) إلى مسلسل، وأدرجتها مجلة تايم ضمن أكثر الشخصيات تأثيراً لعام 2016.


صورة إعلان المسلسل على شبكة HBO


وتصدرت رواياتها قوائم الكتب الأكثر مبيعاً في كل أنحاء العالم، وتُرجمت إلى عدة لغات عالمية، ومنذ أن نشرت أولى رواياتها بالإيطالية عام 1992 ولا أحد – سوى وكيل أعمالها – يعرف شخصيتها الحقيقية ولم ينشر لها صورة على الإنترنت.
هذا  الغموض المثير للاهتمام، وخصوصاً في عصر الإنترنت وصعوبة التخفي، قام عدد من الصحفيين المغامرين بأكثر من عملية بحث استقصائية لمعرفة حقيقة الشخصية الغامضة، وتوصلت خيوطهم إلى 3 شخصيات، لكن حتى اللحظة لا يمكن التأكد من أن نتائجهم دقيقة.

أسباب الاختباء:


هناك أسباب كثيرة قد تدفع المرء للتخفي وراء اسم مستعار، أبرزها:

أسباب سياسية: كثير من الناشطين أو المعارضين لسلطة ما يختبئون وراء أسماء حركية أو مستعارة، وذلك خشية من بطش السلطة بهم، خصوصاً لو أنهم في نفس البلد.

أسباب عائلية: قد يضطر المرء للكتابة باسم مستعار هرباً من تطفل بعض أفراد العائلة، وكونهم لا يرغبون بأن ترقبهم عيون الخالات وأبناء الخالات، فليجئون إلى الاسم المستعار، فهو أخفى للعين، وأبقى للمودة.

أسباب جندرية: يعمد بعض الكتاب – وخصوصاً في مجتمعات معينة- إلى تبديل أسمائهم إلى أسماء معاكسة للجنس الخاص بهم/ فالرجل يكتب باسم أنثى، أو المرأة تكتب باسم رجل ( كما حصل لأمانتين أورو لوسيل دوبين التي كتبت باسم “جورج صاند” إذ أنها كانت من عائلة أرستقراطية فرنسية في القرن الثامن عشر الميلادي، وتزيّت بزي الرجال لتصل إلى مجالس المفكرين وندواتهم التي كانت محرّمة حينذاك على النساء)، أو للهرب من القولبة خصوصاً لو كان الكاتب/ الكاتبة متخصص في مجال دقيق.

أسباب شخصية: الرغبة الدفينة في أن تكون لا مرئياً ولا مشهوراً، وأن يتلقى الناس كلامك بمعزل عن شخصك، وهذه الرغبة ظهرت بشكل واضح أيام ثورة المنتديات، والتي كان يعبّر المرء فيها عن ذاته ومكنوناته ولا أحد يعرف اسمه الحقيقي، فيظهر الإبداع بمعزل عن تقييم الشخص ومكانته الاجتماعية.

وقد يكون هناك أسباب كثيرة أخرى مثل خوف الكاتب من ازدراء الجمهور إذا عرف صغر سنه، كما حصل للشيخ علي الطنطاوي رحمه الله وذكر ذلك في ذكرياته أنّه كان يوقع مقالاته باسم [ أبو الهيثم ] لأنّه كان صغيراً حينها، والمواضيع التي يطرحها كانت أكبر من عمره، فخشي  ألا يتلقى الجمهور كلامه بالرضا والقبول، ارتأى أن يوقعها باسم حركي، وكان حينها دون العشرين.

ومهما يكن من أمر، فالكتابة وراء اسم مستعار أو حركي لا تعفي المرء من التبعات الأخلاقية والقانونية إذا أذى أو شهّر أو أساء لأحد، والحريّة التي يمنحها لك الاسم المستعار لا تعني التخلص من الرقابة الذاتية على ما تنشره وتكتبه.

وأنتم.. هل تفضلون الكتابة بالاسم الحقيقي أو المستعار؟

الأربعاء 9 رمضان 1442هـ الموافق لـ 21 أبريل 2021م .