قواعد العيش الأربعون في إسطنبول

  • هذه التدوينة كانت في الأساس منشوراً على صفحتي في الفيس بوك، و أحببتُ أن أنقلها إلى هنا لأسباب:

1- لتوثيق الكتابة ( إذ إني أغلقتُ صفحتي على الفيس بوك مؤقتاً والسبب تجدونه في آخر التدوينة)
2- رغبة بالانتشار أكثر ( كثير من الأشخاص غير فاعلين على الفيس بوك )
3- لتأكيد أنّك إذا قرأتَ هذه النصائح في مكانٍ ما دون معرفة صاحبها فتيقّن أني صاحبها.

قصة المنشور ( التدوينة التي أمامكم ) !

قبل حوالي تسعة أشهر تقريباً قررتُ أن أضع بعض القواعد الخفيفة لمتابعيّ في تويتر وقد اخترتُ لها عنوان ) قواعد تويتر الأربعون ( استلهاماً من الكاتبة إليف شافاك في كتابها ذائع الصيت قواعد العشق الأربعون) وقد كتبَ الله لهذه التغريدات قَبولاً وانتشاراً واسعاً ( وتم سرقتها أيضاً دون نسبتها لصاحبها ) يمكنكم الاطلاع عليها:هنا

وقبل أسبوع تقريباً وأنا في المتروبوس محشوراً بين الركّاب خطرت ببالي فكرة، وقلتُ لنفسي: سكّان إسطنبول من العرب ليسوا قليل، وكلّ واحد فينا لديه خبرة ولو قليلة بالأساليب الأكثر فعاليّة للعيش هنا ( سواء من تجربته الشخصية أو من أقاربه ومعارفه ) فقررتُ حينها أن أضع أيضاً قواعد للعيش هنا وأسميتها ” قواعد العيش الأربعون في إسطنبول” وبدأتُ بحصر أغلب النقاط المهمة التي تفيد كل زائر أو قاطن في إسطنبول وحاولتُ أن تكون قصيرة ومركزة ( كل نصيحة بـ 140 حرف كتغريدة ) ونشرتها على حسابي الشخصي في الفيس بوك مساء الخميس 22 أيلول ثم نمتُ واستيقظتُ على صلاة الفجر لأفاجئ بأنّ هذا المنشور قد حاز على مايقرب من ألف لايك و200 شير ومئات التعليقات، طبعاً كان شيئاً صادماً بالنسبة لي لأني لم أكن أتوقع كل هذا الانتشار وقد فرحتُ بها كثيراً ( لا أكذب عليكم ولا على نفسي بأنّ اللايك لا يهمّ بل له أهمية ووصول الفكرة لمن أسعى لهم أهم منه طبعاً وهذا من ضمن سيكولوجية النفس التي تحبّ الثناء والمدح ) .

بعد يومين من نشره فوجئت بأنّه ( سُرق كما هو دون نسبة أو إشارة لي من قبل المئات ، وصفحات كبيرة في تركيا وغيرها نسبته لأنفسها، وشخصيات عامّة ودينيّة أيضاً قامت بنفس الأمر، حتى أنّه وصلني كرسالة على الواتس آب مذيلاً باسم شخص آخر على أنّه صاحبه ) طبعاً هذه ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة للسرقة
( وربما أفردتُ لها تدوينة خاصة وفنّدتُ الحجج التي يحتج بها السارقون ) ..

أترككم مع القواعد :

rules

1- حاول أن يكون مكان سكنك قريب على المواصلات وعلى مكانك عملك .
2- شنتة الظهر من الأساسيات وليست رفاهية ( اللاب توب .. الكتاب .. الشاحن .. دفتر وقلم ) .
3- برامج متل ( google maps , trafi, moovite ) لا يستغنى عنها للدلالة والتجوّل .
4- باقة النت أهم من الأكل والشرب ( لو ضعت يا معلم مارح تحس بالجوع بس رح تتخورف ).
5- المسافات في إسطنبول طويلة وبعيدة، اعمل خطة للاستفادة من الوقت المهدر في المواصلات
6- لا تثق بأيّ أحد .
7- حاول أن تقضي أمورك بنفسك ( استئجار البيت، دفع الفواتير، الشراء ).
8- لا تلمْ الناس لأنّ أغلبهم مشغول حقيقة ( البلد بلد سياحي نعم لكنه بلد عمل بالدرجة الأولى ) .
9- إسطنبول ليست فقط السلطان أحمد والفاتح وتوب كابي ( هناك أماكن أخرى كثيرة ورائعة).
10-لا تثق بأيّ أحد.
11- حاول أن تكون أوراقك نظاميّة في كل شيء قدر المستطاع ( إقامة. كملك..جواز سفر ) .
12- مكاتب النصب كثيرة فاحذر أن تكونَ واحداً من ضحاياها .
13- اللغة وسيلة مهمة جداً للتواصل حاول أن تلمّ بها قدر المستطاع .
14- لا تخشَ من الاحتكاك مع الشعب التركي والباعة وأصحاب التكاسي والمحلّات .
15- إذا اكتشفت مكاناً جميلاً أو مميزاً فلا تحتكره لنفسك، شاركه مع غيرك .
16- عوّد نفسك أن تحمل بطاقة مترو إضافية للحاجة ( مابتعرف إيمت بتلزمك ) .
17- الليرة قد لا تفعل لك شيء ، لكنها للفقير والسائل قد تعني له شيئاً فلا تحرمه منها.
18- دوّن ما تراه وتشاهده كجزء من تجربتك الشخصية في المدينة .
19- شبكة العلاقات مهمة جداً ( للتعرف وللعمل وللعلاقات الاجتماعية ) لا تهمل هذا الجانب.
20- “البازار” جُعلَ للشراء وبسعر أرخص وبجودة ممتازة.. كن طيباً واشترِ من البزار.
21- لاتثق بأيّ أحد.
22- كي تحمي نفسك من السرقة اطلع على هذه النصائح هنا: “السرقة” التي لا تقتُلك .. تعلّمُك !
23- لا تتحدث بصوتٍ عالٍ في المواصلات أو في الأماكن العامة فهو شيء غير مرغوب به هنا
24- الإحسان لا يذهب بين الناس فلا تتردد أن تُحسن لمن تعرفه أو لا تعرفه على قدر طاقتك.
25- بقليل من الإدارة والحكمة والتوفير يمكن أن تعيش في إسطنبول براحة ( وليس برفاهية ).
26- يوجد في إسطنبول نشاطات علمية وثقافية وتطوعية وخيرية وشبابية .. شارك في إحداها.
27- لا تفكّر بالانتحار أو بإلقاء نفسك أمام المترو إن قابلك أي موظف بكلمة ( سستم يوك ) .
28- لا تصدّق الإشاعات بخصوص ( الإقامات، الجنسية، الجوازات ) إلا من مجرّب ثقة .
29- اقرأ عن المدنية في روايات واذهب إلى الأماكن التي قرأت عنها بنفسك ( لذة أخرى ) .
30- صيفاً شتاءً خريفاً ربيعاً، توقّع المطر في أي وقت وكن مستعداً لذلك ( جاكيت .. شمسية ) .
31- لا تثق بأيّ أحد.
32- بعض الأمور الإدارية في إسطنبول غريبة أحياناً ..يفضل ألا تحاول فهمها، تعايش معها.
33- إذا كنتَ عزباً فتزوّج .. وإن كنتَ متزوجاً فلا حول ولاقوة إلا بالله .
34- انتقِ من تريد السكن معهم ( بالنسبة للشباب والفتيات ) .
35- لا تنصدم إن جرتْ الأمور بعكس ما رسمتها،فإسطنبول تفاجئ قاطنيها دوماً .
36- جرّب أشياء كثيرة ( الأكل في مطاعم غريبة، أو الذهاب إلى أماكن نائية ) ولا تخشَ التيه.
37- توقع أن تلتقي بأقرب الناس إليك هنا ، وربّ صدفة خير من check in .
38- يمكنك أن تقضي ثلث أعمالك وأن تشتري احتياجاتك الخاصة إلكترونياً .. لا تضيع وقت.
39- الغربة بدها صبر وأخلاق وتعوّد وإنك تأكل الكف وإنت عم تبتسم .. ابتسم أخي المواطن.
40- لا تثق بأيّ أحد .
=======
أما عن سبب إغلاقي لصفحة الفيس بوك فهي بسبب بعض التعليقات المسيئة والأشخاص الذين يرفعون الضغط فعلياً ولستُ الآن بمزاج أن أردّ عليهم فكان الإغلاق إعلان هدنة مؤقتة !

 

يومٌ بسنة.. الاعتقالُ في السجون الأسديّة

يعاني المرءُ في السجن من نقصٍ في المكان، وفائضٍ من الزمان، وللأسف؛ فالمكان والزمان لا يمكنُ لأحدهما أنّ يعوّض عن الآخر
علي عزّت بيغوفيتش [ هروبي إلى الحريّة ، صـ 40 ] .

وطّي راسك ولاك .. عينك بالأرض يا حيوان !

هل آلمتك الألفاظ؟ هل شعرتَ بأنّ كرامتك؛ إثر سماع هذه اللكمات اللفظية _لو كانت موجهة لك_ بشكلٍ شخصيّ؛ جُرحتْ !!
صدقني هذا أهون ما يناله المعتقلُ في سجون/ أفرع النظام السوريّ منذ بداية الثورة وحتى اليوم.
النظام استطاع خلال فترة حكمه لسوريّا؛ دامت لأكثر من أربعين سنة أن يستثمر خوف السوريين في جعلهم يخشون أنفسهم، وألا يثقوا بالجدار  حرفيّاً ( كونه له آذان ) وأن يبلّغ الأب عن ابنه، أو المرأةُ عن زوجها في بعض الأحيان، ووصل الخوف بهم ، والقهر حكماً؛ أن يزدردَ المرء دمه، ويلعق جُرحه، وهو يهتف بحياة “القائد المفدّى” !

شلاّلٌ بشريٌّ يتحوّل _ في عُرف السجّان _ إلى مجرّد أرقام، أرقام وحسب! دون أية ميزة أو تفاوت بينهم، وتبدأ رحلة الحرب ضد الذاكرة،أليس من المضحك أنّك مع مرور ” الوقت ” تُصبح ” رقماً “و أنتَ الذي سعيتَ في نحته طوال حياتك أن تكون ” رقماً صعباً ” ؟! هاقد جاء من يعاملك كـ رقم !
كرقم فقط دون أي شيء آخر .
يذكر صاحب كتاب [ خيانات اللغة والصمت/ تغريبتي في سجون المخابرات السورية] شعوره الأول الذي داهمه بعد اعتقاله وزجّه في سجن تدمر البائس فيقول: “في الشهور الأولى تعددت أسمائي، أعني أرقامي، تبعاً للمنفردات التي باركتني بكثير من الحنان واللعنات، ولكن الاسم الذي رافقني لزمن أطول، وعُرفت به هو السجين رقم 13 ، ربما هو رقم مشؤوم في عُرف الكثيرين خارجاً، أما في الداخل، فإنّ جميع الأرقام مشؤومة وكافرة وبنت كلب، حين يُعامل السجين بوصفه رقماً حيادياً أو لقباً ازدرائياً، وحين يطغى الرمادي على الزمان والمكان في نسق جهنميّ مطفأ وبارد وملول، تأخذ الألوان أبعاداً مختلفة، ويغدو الإحساس بالتمايز والبحث عن الذات والقبض عليها داخل الزمن، مسألة وجود أو لا وجود”.
الشمس الآن كالمرأة المعتدّة، لا ترى إلا محارمها، والآن أنت لستَ من سكّان الأرض الذين يستحقون هذه اللسعة الجميلة منها حين تشرق ( بزعم الطغاة طبعاً ) أنت محرومٌ منها كذلك.
لطالما تساءلت؛ ما مشكلة الطغاة عبر التاريخ مع الزمن؟ لمَ يكون الزمن أداة تعذيب بأيديهم ؟ هل يرغبون في قرارة أنفسهم بمنازعة الإله سلطته المتعالية على الزمان والمكان ! لا أدري صراحة .

الوقت ذئبٌ جائعٌ يأكل أحلام المعتقلين، وهو أشدّ أعدائهم في ظلمة القهر والوحدة ، ينهشُ من أيامهم الطويلة، ويكون رفيقهم غير الودود في انتظار المجهول.

لا أدري عدد الخطوط الطولية والعرضية التي يحفرها المعتقل بأظافره تجميداً للوقت، وحساباً صعباً لمرور الأيام المتتالية، هذه الخطوط التي تتحول شيئاً فشيئاً إلى حبال إعدام تلتف حول عنق الزمن لتوقفه .

تبدأ المعاناة في اللحظة الأولى التي تعرفُ فيها أن ضوء الشمس لن يكونَ حليفك في الصباح التالي، حينها تُقلب ساعة الرمل على وجهها ، وتبدأ ذرات الوقت تنسال من ذاكرة الأيام حبّة حبّة، في مشهدٍ سريالي يتكرر آلاف المرّات ولا يكاد يكون له نهاية .

أنتَ أمام نفسك.. وجهاً لوجه، لا مفرّ من المواجهة وأيّ سبيل للتهرب ستكون أنتَ الخاسر الأكبر فيها، فتأجيلُ المواجهة في الغالب يتحول لكرة ثلج تتدحرجُ وتكبرُ مع الأيام حتى تصبح عبئاً عليك.
سيأكلك الندم حينها،ستندم على أتفه الأشياء وأقّلها أهمية، خصوصاً تلك التي لم تعرها أهميّة حال حريّتك
( ستتمنى أن تعود للحريّة لتحقق فقط تلك الأشياء التي استهترتَ بها ، ولم تكن تعرف قيمتها الحقيقة حقّ المعرفة ).

الصباحُ الأوّل في المعتقل هو شروقُ شمس نفسكَ المتعبة، اليوم الأول من الاعتقال _ ويعرف ذلك كلّ من جرّبه أو ذاق مرارته_ أنّه أشد الأيام بؤساً وكآبة ، فالصدمة لا تزال عنيفة، وتبدأ الأسئلة الوجودية بالخروج من قعر الروح كأفعى استدرجها هنديٌّ بنايه؛ ينسلّ خيط الأسئلة واحداً تلو الآخر، وتبدأ الإجابات تسّاقط عليك من حواف الذاكرة..

أين أنا ؟ لمَ أنا هنا ؟ وهل سأخرج قريباً ؟ ما هي الأشياء التي سأفعلها حين أخرج؟ أحبابي وأهلي كيف تلقوا الصدمة ؟ هل بكت أميّ عليّ ؟ حبيبتي هل نذرت ألا يمسّ النوم جفنيها حتى تكتحل برؤيتي ؟ ما هو الجُرم الذي ارتكتبه حتى أجازى بما أنا فيه ؟ هل يستحق الأمر كل هذا  ؟
طوفان هائل من الأسئلة اللامتناهيّة، والتي تقرّبك من عين العاصفة كلّما أوغلتَ فيها ،

ليس أمامك سوى جدارٌ مُصمتْ لا كوّة فيه، يرتجع الصوت منه حادّاً ، يتضاعف إحساسك بالأشياء، وتتحول إلى عرائس في خيالك تلاعبها كي تتسلّى عن ثقل المكان الموبوء، وترسمُ ألواناً مفعمة بالحياة وأنتَ قابعٌ في قبوٍ محشويّ بالسواد والعفن !

لا ساعات حائط، لا شمس تشرق وقمر ينير، لا أجهزة إلكترونية تحسب الوقت الفائض، محبوس أنتَ داخل الزمان الذي تظنّه سرمديّ لا ينتهي، وليس لك إلا المقاربة والتقدير ( بوجبات الطعام التي تُقدّم أو وجبات التعذيب اليوميّة ) ومن خلالها تدرّب حاستك الوقتية على معرفة الزمان.

نومكَ وسَن، جلوسك ترقّب، بُكاؤكَ استمطار، تفكّركَ سياحة، إصغاؤكَ تسبيح، شوقكَ طائر، أنينُكَ دبيبُ شوق، كلّ شيء داخل المعتقل مختلف، تعاطيك معه له طعمٌ آخر، يصحو فيك الإنسان الحقيقيّ، وتعرضُ لك مرآة نفسك من هم الأشخاص الذين يستحقون الحياة معهم، وماهي الأفكار/المشاريع/ الأحلام التي تستحق التضحية فعلاً لتكون رقماً صعباً في حياة قاسية .

ربما لأول مرّة ترى صوتك أمامك، متكوراً على نفسه كجنينٍ قبل الولادة،قد تقيأتَه قهراً، تهمس له وتقول:أينَ كنتَ عني قبل الآن؟ لمَ لمْ ألتقيك قبل هذه اللحظة؟ أيعقلُ أن يحتاج المرء لسجنٍ خارجيّ حتى يقابلَ شعاع نفسه الداخلي !!

pexels-photo-111189

سواء كانت مدة اعتقالك يومٌ واحد أو 6 سنين، فإنّ ندوباً ستُطبع على صفحة روحك لن تُمحى بسهولة، و لابدّ أنّك ستحسّ بوخزة قلب إثر دخولك هذا الامتحان الشديد الذي لا يثبُتُ فيه إلا ” أصحاب العقيدة” أيّاً كانت، وستخرجُ منه إنساناً جديداً ،وستتبدل الأولويات لديك، وربما تتضح الصورة الكبيرة لحياتك ، وتتجلّى لك بعض الحقائق المغيبة عنك.. فالإنسان ابن تجربته، ومحنة السجن هي من أقسى ما يعانيه المرء في حياته.

لم ألاحظ خلال فترة سجني أيّ هبوطٍ في رغبتي في الحياة، لكني كنتُ على وعي بأنني أجدُ الراحة في تذكّر أنّ الموتَ ليس بعيداً عمّن في عمري، كنت أجدُ في هذه الفكرة راحة وسلوى، واحتفظتُ بها كسرٍ كبير
علي عزت بيغوفتيش [ هروبي إلى الحريّة . صـ 28 ] 

أعرفُ كثيرين يتمنّون الموت كلّ لحظة وهمْ في أسرهم معذّبون، لكني في المقابل أعرف أشخاصاً ( لا يقلّون شجاعة عن الرئيس البوسني الراحل بيغوفيتش) في تحدّيهم للصعاب، ورغبتهم الجارفة بالحياة رغم كلّ ما مرّ بهم من مآسي ونكبات، لسببٍ بسيط؛ ليس لديهم سبيلٌ آخر؛ ولسان حالهم يقول:نحنُ نربّي الأمل، ونقضم أظافر الوقت، ونسرّح جدائل الأشجار ،ونطلقُ عصافير الخيال تجوبُ الأرض عنّا، ونحلمُ كلّ ليلة بضوءٍ يتسلّل من نفق العمر،يُبددُ الظلمَ والظلام الماكث فوق صدورنا كالجبل.

“السرقة” التي لا تقتُلك .. تعلّمُك !

“أنتَ في إسطنبول يا عزيزي .. أنتَ في إسطنبول

بهذه الكلمات استقبلني الشرطيّ المسؤول عن كتابة الإفادة الخاصة بي، بعد أن سُرق منزلي وأنا نائمٌ قبل أسبوعين تقريباً، ليؤكّد لي _وكأنّ الأمر عاديّ جداً _ أنّك طالما تقطنُ في إسطنبول فلا بدّ لك من أن تُلسع يوماً ما بحادثة سرقة ولو بسيطة..
ويبدو أنّ السارق _ لا بارك الله فيه _ لصٌّ محترف، ولابدّ أنّه يعرف تحركاتي ومواعيدي، ويراقبني منذ مدة ليست بالقصيرة حتى استطاع التسلل فجراً إلى المنزل وسرقة ما خفّ حمله وغلا ثمنه..

لمدة أسبوع بعد الحادثة وأنا داخلٌ في “صدمة” .. صدمة من السرقة كأول حادث غريب أتعرّض له في تركيا، فدخول سارقٍ إلى منزلك وأنت نائم؛ و من ثم تخديرك بمخدّر، و قيانه بسرقة متاعك دون أن تشعر “فكرة مرعبة” بحد ذاتها، فلو أنّه أقدمَ مثلاً على قتلي وأنا نائم لما شعرتُ بذلك، ولربما تمرّ أيام قبل أن يكتشف أحد من الجيران أمرنا ..

حسب ماقرأتُ وسمعتُ من قصص عن ” السرقة في إسطنبول ” فيبدو أنّ الأمر أكبر من مجرد حادث عابر يحصل لغريب (يمكنك الاطلاع على بعض القصص هنا ) بل هو أقرب إلى ” العمليات المنظمة ” والتي تخضع لنظام العصابات، حيث تغدو السرقة عامل جذب لكثير من الشبانّ والفتيات والصغار ،كونها عملية سريعة ذات مردود وافر ولا تحتاج إلا لجرأة ودراسة الضحية دراسة وافية للانقضاض عليه حين تحين الفرصة المناسبة، وقد زادت نسبة السرقة بشكل ملحوظ بُعيد عملية الانقلاب الذي شهدته البلاد في 15 تموز الماضي، حيث أنّ أغلب الأتراك والعرب عموماً خرجوا للساحات تعبيراً عن رفضهم لما جرى، وتركوا بيوتهم لأوقات طويلة ، فكانت فرصة ذهبية لانتشار اللصوص بشكل كبير، في ظل الفوضى والفرح الغامر بحيث ، أنّ أغلب السلطات الحكومية يكون تركيزها على ملاحقة أفراد “الكيان الموازي” وغير متفرغين لحالات السرقة التي يستغل اللصوص الفلتان الأمني فيها لتحقيق مآربهم ..

دائماً ما يكون ” اللاجئ” أو ” الغريب ” هو الحلقة الأضعف في بلد المهجر ، مما يجعله هدفاً مستساغاً ، ولا أنفي بعض حالات السرقة التي سمعتُ عنها للأتراك الأصليين، لكنها لا تُقارن بمثيلاتها للأجانب ( سواء كانوا سيّاحاً أو مقيمين ) وللأسف فإنّ عملية الملاحقة الأمنية للسارقين، أو تتبع المسروقات تعد من المستحيلات، ونادراً ما يتم إرجاع المسروقات لأصحابها ( إلا في حالات نادرة جداً وقليلة مقارنة مع حجم السرقات ) وفي هذا تقصيرٌ واضح من الجهات المعنيّة، وبعض الأصدقاء أخبرني أنّ جهاز الشرطة _ أحياناً _ يكون متعاوناً مع العصابات كأي مؤسسة حكومية يتخللها الفساد في بعض أفرادها، فتكون العلاقة بينهما قائمة على مبدأ ( المساندة غير المرئية ) وإلا فبماذا يمكن تبرير الآلاف من حالات السرقة ، والتي يكون فيها تصوير كامل للعملية على أجهزة المراقبة، ومع ذلك لا يتم العثور على الجاني؟ ولا يتم ملاحقته أو محاكمته !!!

تتعدد مظاهر السرقة في إسطنبول ؛ فمن الاقتحام المسلّح إلى التسلل ليلاً أو نهاراً إلى المنازل، أو سرقة السيارات ، أو سرقة أجهزة الموبايلات في وسائل النقل الداخلي ( الميترو أو الميتروبوس والباصات والترام) أو  الاعتداء المباشر في الشوارع العامة والمولات والحدائق، إلى التعرّض للابتزاز أو ” التشليح”
( لا تظنّ أنّ إسطنبول كلّها هكذا، لقد مكثتُ فيها ستة أشهر لم أتعرض خلالها لأي عملية سرقة وكنت أخرج من بيتي الساعة الثالثة فجراً لا أخشى على نفسي ولا على زوجي شيئاً ) لكني لا أنكر أنّها _ وفي مناطق معينة _ تغدو مدينة خطرة ، إذ أنّها تحوي أكثر من 14 مليون نسمة من مجموع سكان تركيا البالغ 76 مليون نسمة، بينهم 4 مليون سائح كلّ سنة ، لتتربع على قائمة البلدان الأكثر ازدحاماً في العالم بعد كلّ من الصين واليابان والولايات المتحدة والهند ومصر، وهذا يفسر نوعاً ما حالات السرقة الكثيفة في منطقة مكتظة سكانياً ..

هذا بالنسبة للشق الأول من التدوينة وهو عن ” السرقة في إسطنبول ” أما الشق الثاني فهو نصائح وإرشادات لتقليل خطر التعرض للسرقة، أو على الأقل لفت نظر للأساليب الوقائية التي يمكنها أن تحميك ولو مؤقتاً من السرقة.

لا يوجد وصفة شاملة يمكن أن يتبعها المرء كي يحمي نفسه كلياً من السرقة، إذ أنّ الأمر أشبه ما يكون “بلعبة حظ ” فقد تترك الأمر على غاربه ومع ذلك لا تتعرض لأي حادث، وفي المقابل يمكن أن تتخذ كل الإجراءات والاحترازات ومع ذلك تسقط فريسة لهم، فالأمر في النهاية لإراحة ضميرك من أنّك اتخذت كل الأسباب الوقائية للابتعاد عن أن تكون ضحيةً ..

أهم الإرشادات العامة :

  • مكان السكن مهم جداً ، واستئجارك في أماكن معينة قد يكون سبباً رئيساً لتعرضك للسرقة، فهناك بعض المناطق المشهورة جداً بشعبيتها، مجرد السكنى فيها يرفع من معدلات يعرضك لحالات اعتداء وسرقة، فاعمل جاهداً أن تعتني باختيار مكان سكنك ( يفضل طبعاً السكنى في مجمعات تكون مأمنة ، وفيها كاميرات مراقبة، أو يكون الدخول والخروج منها ببطاقة معدنية خاصة تُمنح لأهل هذه المجمعات، وتعتبر من أكثر الأماكن أمناً ) وإن لم تستطع ذلك فلا أقلّ من اختيار أماكن سمعتها العامة جيّدة.
  • تأمين أموالك في البنك والاعتماد على بطاقة الصرّاف : حاول إن كان لديك مبلغٌ من المال ( أي رقم فوق الـ 500 دولار يعتبر مالاً يحق لك أن تخاف عليه)  أن تودعه في البنك، وأن تستخدم بطاقة الصرّاف لشراء حاجياتك، وفعلياً أغلب الأتراك؛ حتى محدودي الدخل يستخدمون بطاقة الصرّاف ، وهي سهلة الاستخدام وتوفر عليك عناء وهمّ سرقة أموالك .
  • إن كان لديك مجوهرات ثمينة أو مصاغ غير ملبوس فيمكنك استئجار صندوق أمانات في أي بنك ، لتضع فيه ما تخشى سرقته ( وهذه النقطة التي غفلتُ عنها وتعلمتُ الدرس جيداً ولكن بعد فوات الآوان للآسف ) .
  • في حال استئجارك منزل جديد، فليكن أول ما تفعله هو تغيير ” قفل الباب” وشراء قفل جديد ( حتى لو كان البيت حديثاً ولم يسكنه أحد قبلك ) ولزيادة الأمان يفضل أن تجعل لباب منزلك ” قفل داخلي معلّق ” تغلقه من الداخل بصعّب على اللصوص اقتحام بيتك إن تمكنوا من تجاوز الأقفال العاديّة .
  • ارغب بالطوابق العالية عن الأرضية: كلّما ارتفعت في الطوابق، كلما قلّ خطر تعرضك للسرقة، حيث يكون الدخول إليه محصوراً في منفذ واحد وهو الباب، على عكس البيوت الأخرة التي تكون فيها النوافذ ثغرة خطيرة يمكن للسارق أن يتسلل من خلالها، وإن اضطررت لآخذ منزل منخفض اسعَ أن يكون للنوافذ سورٌ حديديٌّ يحميها ، أو ضعه أنتَ بنفسك؛ ولو تكلّفت قليلاً ففي النهاية أنتَ تشتري أمانك.
  • في الشارع والحديقة والمول والمواصلات كن على حذر من أن تتعرض للنشل نتيجة الازدحام، وفي حالات الوقوف الطويل في طوابير المواصلات يفضل أن تحمل الجوال أو الحقيبة الخاصة بك في يدك أو تضعها في حقيبة ظهر خفيفة أو متوسطة على جانبك ، وللنساء خصوصاً ألا يضعن حقائبهنّ على عاتق واحد، بل يفضّل أن تجعلها على عاتقها ووسطها ( تلبسها بشكل عرضي ) حتى إذا حاول أحدهم شدها بقيت معلّقة في رقبتها .
  • لا تحمل مبالغ ماليّة كبيرة معك، وحاول ألا تخرج أموالك لتعدها مثلاً في أماكن عامة، وكن حذراً بعد استخدامك الصرّاف.
  • نوّع طرق ذهابك للمنزل وعودتك إليه، ولا تتخذ طريقاً واحداً .
  • اترك لمبة مضاءة في إحدى الغرف ليلاً و أثناء النوم ( بعينك الله ع فاتورة الكهرباء آخر الشهر ) لكنها وسيلة تعمية للص أنّ أهل المنزل لا زالوا مستيقظين.
  • حين خروجك من المنزل حاول ألا تترك فيه أشياء ثمينة ، وإن أردت ترك ( اللاب توب ، الآيباد ، الكاميرا ) حاول أن يكونوا في مكان مخفيّ، أو غير متوقع .
  • لو استطعت تركيب كاميرا مراقبة في منزلك فلا تتردد ( لزيادة الأمان لا أكثر ) .

نصيحة الجدّات الثمينة : لا تثق بأحد ولا تكلّم الغرباء ولا تفتح الأبواب لمن لا تعلمه، وهي _ لعمري_ نصيحة ذهبية وخصوصاً للمغترب الذي لا يعرف طبيعة الشعب الذي يسكن معه.

أختم بما قاله الشرطيّ قبل مغادرتنا قسم الشرطة بعد أن أنهيتُ تسجيل الإفادة وسألته: هل هناك أمل ولو ضئيل بأن يتم إلقاء القبض على اللص، أو إرجاع المسروقات؟ فابتسم وقال لي: لن أكذب عليك وأعدك خيراً ؛لكنّك لن ترى أشيائك مرة أخرى فاطلب العوض من الله ( بكلّ صراحة أو بكل وقاحة لا أدري ) ..

وتبقى النصيحة الأثمن والتي يمكن لها أن تحميك من السرقة هي:

إذا أردتَ ألا تتعرض للسرقة في إسطنبول.. فلا تكن من قاطنيها !

 

 

13 نصيحة لزوّار معرض الكتاب في إسطنبول


بعد حوالي سبعة أيام وثلاث ساعات وأربعون دقيقة وخمسٌ وعشرون ثانية ستفتح ستارة معرض إسطنبول الدولي للكتاب والذي سيمتد لمدة ثمانية أيام تقريباً ، ليكون هذا هو هو المعرض الرابع من ناحية العرض في مدينة إسطنبول ، والأول من ناحية المساحة والحجم وعدد دور النشر والفعاليات المرافقة له ( سبقه معرض الكتاب الأول في نوفمبر 2015 ومعرض مصغّر في شهر آذار عام 2016 ومعرض ثالث في مدينة عينتاب) .

المعرض الأول :

في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر لعام 2015 وبين السادس منه حتى الخامس عشر ( 6-15 ) قام الأستاذ نواف القديمي صاحب دار الشبكة العربية للأبحاث والنشر وبرعاية خاصة منه بمغامرة ثقافية _ تحسب له طبعاً _ بافتتاح “أول معرض عربي للكتاب” في إسطنبول بحضور أكثر من 44 دار نشر، وبـ 5 آلاف عنوان تنوعت بين الفكر والأدب والروايات “وكانت _ حسب علمي _ التجربة الأولى في إسطنبول، والذي قال عنه الأستاذ نواف أنّه كان ” جس نبض ” للحراك الثقافي والمعرفي في المدينة” التي يقطنها حوالي مليون عربي من مختلف البلاد العربية وعدد لا بأس به من المفكرين والكتاب البارزين خاصة من بلاد الربيع العربي والمهاجرين القدامى..

تم اختيار “دار الكتّاب” قرب مسجد السلطان أحمد التاريخي ليكون مقراً له ( ورغم صغر حجم المكان نسبياً ، وقلّة الدور المشاركة 44 دار ، فقد اجتذبت تلك البقعة الصغيرة المملوءة كتباً ومعرفة عدداً لا بأس به من رواد القراءة وشداة العلم وكان عدد الزوار مفاجئاً للمنظمين وللزوار أنفسهم مقارنة بالمساحة الضيقة التي أقيم عليها المعرض، ومما كان لافتاً أيضاً أنّ 30 % من زوّار المعرض كانوا من الأتراك المتحدثين باللغة العربية أو الذين يدرسونها ) وقامت وكالة الأناضول الرسمية بتغطية هذا الحدث الثقافي البارز ، وتزامن مع هذا المعرض إقامة ندوات ومحاضرات لثلة من الأدباء والمفكرين ( أذكر منهم على سبيل المثال : الدكتور أبو يعرب المرزوقي ، والدكتور هبة عزّت رؤوف ، والباحث أحمد أبازيد والباحث حمزة مصطفى ، والدكتور سلمان العودة ، والشاعرين أسامة غاوجي و محمد عبد الباري ، والدكتور معتز الخطيب والدكتور مسفر القحطاني والدكتور والمعارض السوري برهان غليون وغيرهم ! ).

المعرض الثاني :

بعد نجاح المعرض الأول في إسطنبول أراد الأستاذ نواف إعادة التجربة في مدينة عينتاب التركية، وكان له ذلك بأن افتتح المعرض تحت رعاية الحكومة السورية المؤقتة في مدينة عينتاب بين 24- 29 نوفمبر/ تشرين الثاني من نفس العام.

المعرض الثالث:

لا أدري إن كان يصحّ أن نسميه معرضاً بالمعنى العام للكلمة، حيث أنّه في شهر مارس/ آذار من عام 2016 تم افتتاح معرض الكتاب ” التركي” الموسّع ، وشارك قسم للمطبوعات العربية فيه مشاركة خجولة، اقتصرت على عدد قليل من الدور العربية ( دار القلم ، ودار الإيمان ، ودار الإرشاد ، ودار الفكر ، ودار البيروني ، و المركز الثقافي العربي ) ومما لوحظ في هذا المعرض التركيز على كتب الأطفال والكتب الدينية والروايات بالمرتبة الأولى ، وغلاء ثمن الكتب مقارنة بالكتاب التركي .
المعرض المنتظر:

تتجه أنظار محبي القراءة وعالم الكتب إلى ” قاعة أرض المعارض/ الإكسبو ” قرب مطار أتاتورك حيث سيتم افتتاح معرض إسطنبول الدولي للكتاب العربي ( سيضم المعرض أكثر من 200 دار نشر عربية ، و 70 ألف عنوان ، منها 10 آلاف موجهة للأطفال، وسيتخلل المعرض ندوات ثقافية ومحاضرات لأكثر من 30 محاضراً من مختلف البلاد العربية والإسلامية، وعدد من الشخصيات التركية البارزة ومنهم رئيس الوزراء الأسبق أحمد داوود أوغلو ).

يعتبر هذا المعرض أضخم فعالية ثقافية عربية، ونظراً للتواجد العربي الكثيف في مدينة إسطنبول (حسب آخر إحصائيات تركية ، فإنّه يقطن في تركيا 3 مليون عربي ثلثهم في إسطنبول ) فإنه من المتوقع أن يشهد إقبالاً واسعاً من العرب المقيمين أو حتى من السيّاح الذين سيتصادف وجودهم للسياحة وقت افتتاح المعرض ( 18 تموز وحتى الـ 24 منه ) .
نصائح سريعة لزيارة موفقة لمعرض الكتاب :

كي تكون زيارتك لمعرض الكتاب موفقة يجب أن تُخطط لها بعناية، كون المعرض سيكون ” أياماً معدودة” وسرعان ما سينقضي، فإن لم تركّز فيه على ما تريده ضاعت منك فرصة الاستفادة الكاملة ..

لن أطيل عليك سأسرد 13 نصيحة فقط لضمان زيارة موفقة وممتعة :

‎1- اذهب وحيداً: هذه هي النصيحة الذهبية لمعرض الكتاب، والتي لا أراها أنانية مطلقاً، فأنتَ في النهاية ذاهبٌ لشراء الكتاب،وليس للحديث مع أصدقاءك عن الكتب، هذا له وقتٌ آخر، ذهابك منفرداً سيوفر عليك كثير من الوقت، ويعطيك مساحة أكبر للتحرك بحريّة دون الاضطرار للالتزام مع أحد.

‎2- اطَّلع على معلومات المعرض قبل بدءه ( مكان إقامته، وقت الافتتاح، أهم دور النشر المشاركة، الفعاليات المرافقة للمعرض وحدد أيها مهمة بالنسبة إليك للحضور ) هذا الاطلاع سيساعدك في ترتيب أولوياتك الحياتية بناءً على المعرض، وتتعرف على طبيعة الكتب الموجودة فيه، والتي ستكون من ضمن حصيلتك الشرائية.

‎3- كنْ قناصاً وأعدْ قائمة: خلال السنة، لابدّ أن يمرّ بك شعور برغبة عارمة في اقتناء كتابٍ ما ( إما لحاجتك الخاصة، أو لأهميته لك في البحث والدراسة والتخصص، أو ربما لشهرته، وذياع صيته، وتصدره قائمة الكتب الأكثر مبيعاً) لا بأس، هذا هو الوقت الأمثل لتحقيق أحلامك المؤجلة، بتحضيرك لقائمة الكتب المرغوبة لديك ستنحصر مهمتك الأولى في المعرض بتحصيل ” صيدك الثمين” قبل الانتقال إلى الجوائز الجانبية للرحلة، وحذار من بريق الكتب المبهرجة والتي تكون أرخص من الحبر التي كتبت فيه، وكتب الأكثر مبيعاً” الاستهلاكية”، ولا تشتري كتاباً فقط لأن عنوانه لفت نظرك، أو اسم مؤلفه ” مشهور”.

‎4- حاول أن يكون اليوم الأول ” للاستكشاف” وخذ جولة كاملة في المعرض لتتعرف على دور النشر عن قرب، والأسعار، والإصدارات الجديدة، ولو استطعت ألا تشتري شيئاً في اليوم الأول فافعل( اعلم أنّ هذا الطلب صعب التحقق وخصوصاً للمغرمين بالكتب، لكن من خلال حضوري لبعض معارض الكتاب وجدتُ أنّ تأجيل الشراء ليوم أو يومين ليس خياراً سيئاً).

‎5- إن كُنتَ متفرغاً ولا عمل لديك أو في إجازة، اذهب باكراً إلى المعرض، واخرج متأخراً، في ذهابك الباكر سيُتاح لك الاطلاع على دور نشر جديدة بعيداً عن زحمة الزوّار، وربما أتيحت لك الفرصة لتقليب بعض الكتب المميزة، واقتنائها.

‎6- ضع ميزانية: من تجربتي الصغيرة، أعلم من نفسي أنك لو وضعتَ في يديّ عشرة آلاف دولار( وهو مبلغ ضخم نوعاً ما ) لشراء الكتب لأنفقته غير متردد، لذا فكنْ على حذرٍ ، وكن حصيفاً في إدارة أموالك قبل الشراء، فما كل الكتب تستحق الاقتناء، وكتب متوفرة بصيغة إلكترونية قد كُفيتها، فاجعل لَكَ رصيداً معيناً لشراء المهم من الكتب، واترك هامشاً للطوارئ والمفاجآت والهدايا.

‎7- ساومْ: لا تعتمد على الأسعار المكتوبة على أغلفة الكتب، ولا تثق كثيراً بالتخفيضات المبهرة التي يضعها ” ورّاقو الكتب” فهم في غالب الظنّ ” تجاراً” وليسوا أهل مصلحة، فلا تخجل من مفاوضة على كتابٍ ما، وكن ذكياً بالاطلاع على أسعاره على الإنترنت قبل الشراء ، وقارن بين الأسعار والدور التي تنشر نفس الكتاب بطبعات مختلفة.

‎8- خذه قبل أن تفقده: هذه النصيحة تنطبق على عدد محدود من الكتب، وهي الكتب النادرة، أو التي تكون ممنوعة مثلاً في بلد المعرض، أو تكون مظنّة ألا توجد إلا في معارض الكتب،فهذه خدها ولا تخفْ، فربما ندمتَ على تفويتك فرصة اقتنائها.

‎9- تخفف: ارتدِ ملابس خفيفة ( نحن في شهر تموز لا تنسَ ذلك) والبس حذاء رياضي لسهولة المشي والتنقل، واجعل حقيبة الظهر مستودعك الأمين ( شاحن جوال إضافي، دفتر صغير لتسجيل الكتب المهمة، قارورة مياه للشرب، طعام خفيف كي لا تضطر لمغادرة المعرض، والشراء من خارجه، كاميرا لو لديك ).

‎10- لا تُقارِن: لا تجعلك همّك مقارنة الكتب التي اقتنيتها مع كتب من يحضر من معارفك وأصدقائك، فلكلّ واحد منكم أولوية واهتمامات منفردة، ولو خرجتَ بكتابٍ واحد فقط تستفيد منه لتمّت لَكَ الفائدة من المعرض.

‎11- تفقد قبل الشراء: لا تشترِ كتاباً قبل أن تطّلع على مقدمته، والفهرست، وقلّب صفحاته بتأنٍ لعل هناك سقط أو أوراق محذوفة، ولتعلم أنّ صاحب دار النشر لم يطّلع على كل كتاب يأتيه من المطبعة، وهذه هي مهمتك، كي لا تُفاجئ بطبعة رديئة بعد عودتك للمنزل، وتضطر للعودة مرة ثانية للمعرض.

‎12- لا تشترِ إلا ما أنتَ محتاجٌ إليه الآن ( ولمدة سنة تقريباً، فأغلب الكتب التي اشتريتها في المعرض السابق لم تفتحها صحيح ؟! ) وحاول أن تجرد مقتنياتك في البيت قبل التوجه للمعرض، كي لا تكرر شراء كتاب تظنّ أنك بحاجة إليه وهو موجود عندك في الرف.

‎13- أخيراً؛ لا تجزع إن لم تحصِّل كل الكتب التي تبغيها، فهذا لن يكون المعرض الأخير، والأيام قادمة بإذن الله، فاستمتع بما اشتريت، وما لَمْ تُحصلّه في هذا المعرض أجّله للمعرض القادم ، وربما ماتت بعد سنة رغبتك في اقتناء ما كُنتَ متحرقاً لشراءه هذه السنة، فالطموحات تختلف، والأذواق تتبدل، والأولويات يُعاد ترتيبها.
زيارة موفقة للجميع.

مقاربة نفسية للأزرار الجديدة للفيس بوك

بتُ أكثر إيماناً أنّ الدراسات الاجتماعية والنفسية لمواقع التواصل الاجتماعي لم تأخذ حقها في البحث العربي
و المتابع لي يعرف كم مرّة تحدثتُ عن هذا الموضوع وربما أزعج بعض الناس لكني حقاً مهتمٌ بهذا الأمر.
في عام 2014 أعلن ‫#‏الفيسبوك‬ إتمام دراسة نفسية خضع لها حوالي 700 ألف مستخدم للموقع عبر أسبوع كامل، وتكشف أبرز نتائج الدراسة عن حدوث “عدوى” بين المستخدمين في المشاعر الإيجابية والسلبية؛ مما يعني أن مزاجك وشعورك يعتمد إلى حدٍ كبيرٍ على ما تراه من منشورات على فيس بوك
[ رابط الدراسة هنا]
أيّ أن الفيسبوك قادر على تحديد مزاجك العام عبر ما يعرف باسم [ العدوى العاطفية ] حيث أنّ المنشورات اليائسة والحزينة هي أكثر انتشاراً وتعاطفاً من المنشورات الإيجابية والسعيدة ..
طبعاً كان الهدف من الدراسة هي جذب الإعلانات والمستثمرين وعرضها على المستخدم بطريقة تشعره أنه بحاجة إليها [ أي أنّ الأمر في النهاية اقتصاديٌ بحت] .
“تظهر إعلانات فيس بوك لكل مستخدم حسب تفضيلاته، ونشاطاته، والصفحات والمنشورات التي يُسجّل إعجابه بها على الموقع، لكن التغيير الجديد سيسمح لفيس بوك بتعقب بيانات المستخدمين عند زيارة مواقع وتطبيقات أخرى، واستخدامها بعد ذلك لأغراض الاستهداف الإعلاني” حسب ما ذكر أحمد الخطيب في مقاله المنشور على ساسة بوست
بدايةً علينا أن نعرف أنّ وسائل التواصل الاجتماعي عمودها الرئيس هم [ الموارد البشرية ] فأيّ وسيلة اجتماعية لا يتواجد على منصاتها أشخاصٌ كثر تذبل وتموت لصالح منصات أقوى [ أغلبنا يذكر المنتديات كيف أنها شبه اندثرت وبقيت فقط كأرشيف لعدد من القضايا التي كانت في يومها مهمة ].
الفيسبوك؛ وحيث أنّه الشبكة الأضخم انتشاراً من حيث عدد الأفراد المتواجدين عليه [ في آخر إحصائية بلغ عدد المشتركين 1,59 مليار مستخدم دون اعتبار الأشخاص الذين سجلوا لمرة واحدة ثم تركوه نهائياً ، أيّ أن الرقم أكبر بقليل من هذا الرقم ] وبالتالي فإنّه لو كان مكاناً حقيقياً لكان عدد السكان فيه أكبر بقليل من عدد سكان الصين !

منذ انطلاق الفيسبوك لم نكن واعيين لآثاره النفسية والاجتماعية ، وكان أغلبنا فرحين به كونه شيئاً جديداً ، والأمر الآخر أنّه يكافئنا بسرعة [ نكتب منشوراً وبعد دقائق أو ساعات نجد نتيجة ما كتبنا بإعجاب أو تعليق يؤيد فكرتنا أو يثني عليها ] لكن بعد مضي عدة سنوات بدأت نتائجه تظهر على سلوكياتنا اليومية ، وليس بالضرورة أن تكون كلّها إبجابية كما هي العادة بل هناك آثار سلبية تصل إلى حد الانتحار أو الاكتئاب الحاد أو القلق المفرط أو الثقة الزائدة أو تشوّه رؤية الذات الحقيقية ، ناهيك عن حالات التحرش الالكتروني والتعدي اللفظي وغيرها .
ما لفتني (وهو محور حديثي اليوم )  “أزرار التحديث الجديدة” التي أتاحها الفيسبوك للمستخدمين لتغدو جنباً إلى جنب مع زر الإعجاب المعتاد ، وقد تم استبعاد زر عدم الإعجاب لما له من آثار نفسية على المتلقي أو ربما في خطة لاحقة يضاف لا أدري ..

الأزرار الجديدة ومعناها :

الزر الأول : القلب [ أحببته ] ويكفي دلالة على أنّ الكلام أو الصورة أو الفيديو قد أعجبني بشدة لدرجة أشعر أن كلمة أعجبني لم تعد كافية فهذا الزر هو المناسب لها [ وفي الغالب يكون لشيء يستحق فعلاً ، لكن الآثار السلبية إن تم تبادله بين الجنسين بمعنى غير واضح فربما فُهم بمعنى خاطئ، ولا يخفى على أحدٍ ما المقصود.
الزر الثاني : زر الضحك ، وفي الغالب هذا الزر يكون للمنشورات الفكاهية وقد يكون عوضاً عن الابتسامة الطويلة في التعليقات.
الزر الثالث : زر [ واو ] وهنا يكون إما للمبالغة في الإعجاب أو للصدمة حيال شيء غير متوقع ..
الزر الرابع : [أحزنني] ،وهو خاصّ بحالات المرض أو الوفاة أو المصائب [ وما أكثرها ] فكان سابقاً من غير المقبول أن نضع [ أعجبني ] على صورة شهيد مثلاً ، أو بيت مهدّم ، أو مقطع فيديو مؤلم ..
الزر الخامس : أغضبني [ وهو البديل المخفف عن عدم الإعجاب ] ويضعه المرء ربما لأنّ المكتوب لم يعجبه ، أو أن صاحب المنشور تعدى حدود الأدب واللياقة العامة ، أو بالفعل الكلام المكتوب سبب غضباً لشخص ما ، ربما إن كان الكلام يخصّه بشكل شخصي أو يمس عقيدته أو مبادئه أو تقاليده الخاصة ..
الشيء السلبي في كل هذه الأزرار هي عدم قابليتها على تشريح الحالة بالضبط ، وربما يساء فهمها في بعض المنشورات ..
النفس مجبولة على حبّ المديح _ وأيّ مدعٍ بأنّ المدح لا يهمه _ فهو واحد من اثنين إما كاذب أو مخادع لنفسه ، ولننظر إلى علاقاتنا الافتراضية هنا كيف أنها تؤثر على حياتنا العامة سواء بالسلب أو الإيجاب [ تخيل انتظار لايك من شخص محبب إليك كيف سيجعل نفسيتك ! ] ورز أغضبني سيسبب هذه الإنزعاجات النفسية وإن لم يصرّح صاحبها بذلك علناً ..
علينا أن نكون واعيين أنّنا نبدأ بتشكيل صفحاتنا الاجتماعية ثم تقوم هي بتشكيلنا [ قولبتنا ] والوعي وحده كفيل بإدراك هذه التغيرات الصغيرة التي تؤدي في آخر أمرها إلى انحراف كبير في المسار.أختم بكلمة الدكتور “أحمد قطشة” حين قال: “إنّ الانترنت هو فجوة في الزمن. لايشبه الأمر اتصال الهاتف هنا، بل هو مركب لأنه يتضمن الصورة أيضاً. يتضمن تفاعلاً أصيلاً مع الحدث البعيد عنك. أكثر من ذلك، هذا (الآن) هو مستمر ومتجدد، فعلاً هو متجدد عند كل قراءة وعند كل تعليق وعند كل لايك. هناك إعادة انتاج لتلك (الآن) بحيث تصبح مستمرة ومتجددة عبر الزمن والتاريخ. بل وأنت مطالب متواجد في ذلك (الآن) دائماً. حتى لو كان منشوراً كتبته قبل شهر وأحدهم وضع تعليقاً عليه (الآن) !

أخيراً .. قوِ مناعتك الداخلية ، وابنِ حصونك العاطفية جيداً ، وكن واعياً لما يجري داخلك وحولك ولا يضرّك بعدها شيء !