الخوف من فوات الأشياء.. الـFOMO الصحّي

أعتقد جازماً ما من أحد يقرأ هذه التدوينة إلا وقد مرّ بهذه الحالة أو يعرف قريباً مرّ بها، وإن كان يعدّ صنفاً من الإدمان إلا أننا لا نعترف به.

في أبسط تعريف للفومو هو “الخوف من فوات الأشياء” وخصوصاً لو كانت مواداً رقمية أو أحداث يومية، أو أماكن سياحية، ويرتبط هذا الخوف بالحسرة من فقدانه أو الرغبة المتوهمة الشديدة بالحصول عليه سواء كان يستحق أو لا.

ما رأيك أن تقرأ مقالاً ممتعاً عنه؟ الخوف من فوات الشيء مارك مانسون – ترجمة: آية علي.

الفومو الصحيّ


وأنا أقلّب النظر في الفومو وأثاره خطر ببالي شيء كنت ألحظه في كتب التراث أثناء الحديث عن بعض الصحابة رضوان الله عليهم أو التابعين رحمهم الله في رحلتهم لطلب العلم، وبعض هذه الأحاديث قد يستغربها المرء لو قاسها في عصرنا الحاليّ، لكن لو قرأها بعين شخص في القرن الثاني الهجري _ أي قبل حوالي 1400 سنة تقريباً – وصعوبة الحصول على المعلومة إلا بطرق الرحلة والتوثق الذاتي؛ لقدّرنا المشاق التي يتعناها طالب العلم.
سأضع لكم بعض التجارب لرحلات في طلب العلم والحديث التي توضح كيف كان لديهم “خوفاً من فوات الأشياء” لكنه بالوجهة الصحيحة:

رحلة من المدينة المنورة إلى الشام من أجل حديث واحد!

عن كثير بن قيس قال: كنت مع أبي الدرداء بمسجد دمشق، فأتاه رجل فقال: يا أبا الدرداء، إني جئتك من مدينة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لحديثٍ بلغني أنك تحدثه عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: ما جاء بك حاجة غيره، ولا جئت لتجارة، ولا جئت إلا فيه؟ قال: نعم، قال: فإني سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول:(مَن سلك طريقَ علمٍ، سهَّل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضًا لطالب العلم، وإنَّ السموات والأرض لتستغفر له والحوت في الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلةَ البدر على سائر الكواكب، إن العلماء وَرَثَة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورَّثوا العلم، فمَن أخذ به أخذ بحظ وافر). [1]

رحلة شهر لأجل حديث واحد!

قال جابر بن عبدالله – رضي الله عنه -: بلغني حديث عن رجل من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فابتعتُ بعيرًا فشددت عليه رَحْلي، ثم سرت إليه شهرًا، حتى قدمت الشام، فإذا عبدالله بن أُنَيس الأنصاري، فأتيتُ منزله وأرسلت إليه أنَّ جابرًا على الباب فرجع إليَّ الرسول، فقال: جابر بن عبدالله؟ فقلت: نعم، فخرج إليَّ فاعتنقته واعتنقني، قال: قلت: حديثٌ بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في المظالم لم أسمعه أنا منه، قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: ((يَحشر الله – تبارك وتعالى – العِباد، أو قال: الناس – شك همام – (وأومأ بيده إلى الشام) حفاة عراة غرلاً بُهمًا))، قال: قلنا: ما ((بُهمًا))؟ قال: ((ليس معهم شيء، فيناديهم بصوت يسمعه مَن بَعُد، ويسمعه مَن قرب: أنا الملك الديَّان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وأحدٌ من أهل النار يطلبه بمظلَمة حتى اللطمة، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وأحد من أهل الجنة يطلبه بمظلَمة حتى اللطمة))، قال: قلنا: كيف وإنَّما نأتي الله – عز وجل – حفاةً عراةً غرلاً؟ قال : ((بالحسنات والسيئات)). [2]

من المدينة إلى مصر لأجل حديث واحد!

قال عطاء بن أبي رباح: خرج أبو أيوب إلى عقبة بن عامر وهو بمصر يسأله عن حديث سمعه من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فلمَّا قَدِم أتى منزل مَسْلَمة بن مخلد الأنصاري وهو أمير مصر، فأخبره فعجل، فخرج إليه فعانقه، وقال: ما جاء بك يا أبا أيوب؟ قال: حديث سمعته من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لم يبقَ أحد سمعه غيري وغيرك في سِتر المؤمن، قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: ((مَن ستر مؤمنًا في الدنيا ستره الله يوم القيامة)) ، فقال له أبو أيوب: صدقت، ثم انصرف أبو أيوب إلى راحلته فركبها راجعًا إلى المدينة، فما أدركته جائزة مسلمة بن مخلد إلاَّ بعريش مصر. [3]

وكتب آداب طلب العلم مثل: ( الرحلة في طلب الحديث للخطيب البغدادي) أو كتاب (صفحات من صبر العلماء) عامرة بمثل هذه القصص التي تبين مقدار حرصهم على العلم والسعي والبذل فيه.

فلو كان الـ FOMO والحرص على عدم فوات الأشياء في مثل هذا فيا حبذا.

[1] أخرجه أحمد (5/196)، وأبو داود (3641) و (3642)، وابن ماجه (223)، والدارمي (1/98)، وابن حبان (88).

[2] أخرجه أحمد (3/495)، والبخاري في “الأدب المفرد” (970)، وفي “خلق أفعال العباد”59”

[3] أخرجه أحمد (4/153 و 159).

يوم الأربعاء23 رمضان 1442هـ الموافق لـ 5مايو 2021م.

مصدر الصورة البارزة: unsplash