البازار.. أسلوب حياة

في سوريا – وفي حمص خصوصاً – كان هناك سوق معروف يدعى “سوق الحشيش” ( لا يذهب فكركم لبعيد، الحشيش هنا يعني الخضروات وليس الحشيش إياه) وسوق الحشيش هو المكان الذي يجتمع فيه الناس لشراء الخضروات يومياً وفي الصباح الباكر.
أذكرُ أنّ والدي رحمه الله أخذني معه مرّة وكان مشهداً عجيباً حيث يغصّ بمئات الناس التي تتبضع مشترواتها وبسعر يختلف عن أسعار المحلات العادية (الفارق بينها قد يكون ضئيلاً لكنه بالنسبة للطبقة الوسطى والفقيرة يشكل فارقاً خصوصاً بالكميّات الكبيرة).

ومن المفارقات التي شهدتها أننا كنا في سوريا نشتري الخضروات والفواكه بالكراتين (السحّارة) أو بكميات كبيرة، فمثلاً نشتري “شوال” بطاطا، و”شوال” ليمون، و”حمل” باذنجان ( اللي ما بحبّ الباذنجان مسكين) وجرز من البقدونس والخسّ.. أما الفواكه فكانت “سحارة” برتقال، و”دبية” تفاح، و”جرن” موز.
وحين كنا نسمع أو نرى الناس في التلفاز تشتري البضائع بالحبّة ( حبّة بطاطا+حبّة بندورة+حبّة خيار) كنت أضحك من هذا الأمر، وأقول: حدي بشتري حبّة بطاطا؟ وكنت أتوقع الأمر مرتبطاً بالمستوى الاقتصادي، لكني كنت مخطئاً طبعاً، فمن المؤكد أنّ المواطن السويدي أو النمساوي راتبه أكثر من 20$ في الشهر. [1] ومع ذلك حين سكنتُ في إسطنبول صرتُ أشتري أحياناً الخضار والفواكه بالحبّة!

ولما قدمتُ إلى تركيا وجدتُ في كل حيّ سكنته ما يُعرف باسم “البازار” وهو تجمع أسبوعي يبدأ في السابعة صباحاً وينتهي في السابعة مساءً يبيع في الناس الخضروات والفواكه بشتى أصنافها وبأسعار رخيصة مقارنة بالمحلات التجارية (نفس فكرة سوق الحشيش بسوريا)، ومما شدني فيه أنّ الناس يشترون بدون معرفة وزن البضائع المشتراة، فأنت تعبئ كيساً بالخيار أو الليمون ولا تعرف كم يزن إلا بعد أن تعطيه للبائع، وعلى قدر حاجتك يزن لك بزيادة أو نقصان، أو حسب مالك.

فكرة “البركة” أو “المشايلة” لا تقف عند شراء الخضروات من الأسواق، ولعلها تنسحب حتى على علاقتنا وتصرفاتنا اليومية سواء في الشارع أو العمل أو الجامعة أو المنزل، لا نحسب حساب الكلمات التي نتفوه بها أمام أصدقائنا وأهلنا ونعوّل على أنّهم سيفهمون منا دون مزيد شرح – كما يفهم بائع البندورة أنني أرغب بـ 3كيلو إذا قلت له – وفي الوقت نفسه نتعامل مع المشاعر وكأنها “سوق معروضة” فلا بأس أن نحبّ اليوم ونكره غداً.. نتعامل بلطف اليوم وبخباثة غداً.. طالما أنّ هذا يحقق لي مطالبي فلا بأس.

في البازار – وكما في الحياة – لا أحد يجبرك على الشراء من عنده، لكن طريقة العرض للبسطة، ونظافة البضاعة المعروضة، وأسلوب النداء المميز هو الذي يلفتك أكثر حتى لو لم تكن بحاجة فعلية له (هل الإعلانات والتسويق أخذت فكرتها من هنا؟ ربما)
في آخر اليوم يكون مكان البازار متسخاً جداً، لكن ما تلبث أن تأتي سيارات البلدية لإزالة الأوساخ من المكان ليعود الشارع نظيفاً كما كان بل أفضل، فهل هناك سيارات بلدية لتنظيف قلوب الناس وحياتهم بعد أن عثنا فيها فساداً؟ أتمنى أن يكون.

كان بودي أن أحدثكم عن “سوق التنابل” لكن أظن أن النساء سيغضبون – لأنهم يحبونه – وربما تزعجهم الكلمة فأترك الحديث عنه حفاظاً على صيامكنّ.



[1]: متوسط الراتب الشهري للمواطن في سوريا 20$ بما يساوي 60 ألف ليرة سورية فقط لاغير.
*مصدر الصورة البارزة: unsplash

الثلاثاء 22رمضان 1442هـ الموافق لـ4 مايو 2021م.

أشياء فاتتني..قائمة رغبات ولدتْ ميتة

لا يتوقف المرء طوال حياته عن الحسرة، الحسرات متراكبة، والندم يقضم قلبه فيما فعل – لو أنني لم أفعل – وفيما لم يفعل – ليتني فعلت.
هذه الدوامة لا تنتهي، لكن المرء بعد مرحلة عمرية معيّنة يرضى! يسلّم! يتأقلم؟ ينضج؟ لا أدري ما المصطلح الأدق الذي يستخدم هنا، لكن يتوقف عن ملاحقة الأحلام الضائعة.
لا أقصد هنا بالأحلام تلك التي يتبادر إلى ذهنك حين تسمع كلمة”أحلام”.. لالا هذه ليست مقام الحديث هنا، أتكلم عن الأشياء البسيطة التي تراها من بعيد وترى أنك تحبّ تجربتها لكن ربما الظروف لم تسعفك، أو الوقت تأخر عليها، أو فاتت لذّتها المتعلقة بالوقت ( وكثير من اللذات متعلقة بالوقت المناسب، ولو جاءتنا لاحقاً لما التفتنا إليها).


النفس تحبّ الاستعجال – وكان الإنسان عجولاً – في أموره كلّها، يرغب بأن تتحقق أحلامه في الوقت الذي يرغبه هو، بمعزل عن أي سياقات أو مصالح مؤجلة، يظنّ -المسكين- أنّ الكون مسخّر له كي يلبي رغباته فقط ( جماعة طاقة الجذب لا أصيدكم).
طيب.. هذه مقدمة مملة أعرف، لكني رغبت بقولها لأدلف على لبّ الموضوع الذي أريده وهو تحرير للأشياء التي رغبتُ بها يوماً، لكنها اليوم لم تعدّ تمثل لي إلا حلماً لذيذاً راودني يوماً ما وعشتُ معه في خيالي ثم انقضى.

الحلم الأول: أن يكون لي أخ/أخت أصغر مني

رغبتُ دوماً أن يكون لي أخ أو أخت أصغر مني، وباعتبار أني – آخر العنقود – ووالديّ توفيا، فهذا الرغبة لن تتحقق.
شعورك بأنك تشهد تقلبات الحياة لأخٍ أصغر منك، وترى كيف ينمو كشجرة فرعاء، وتشهد على تفاصيل سلوكه، ونزواته، ومراهقته، وتتبادل معه الأسرار، وترشده فيما تعرفه قبل أن يقع فيه، ومن ثم تفرح له حين ينجح نجاحاً باهراً وتفخر به، وتقول لنفسك: أخي الذي كان طفلاً الآن غدا رجلاً ملء إهابه!
قد تكون مجرّد رغبة سخيفة، لكني أحبّ لو كان لي أخ أصغر.

الحلم الثاني: الرسوب في أحد الصفوف الانتقالية أو في الجامعة

لستُ من المتفوقين، وإن كان مستواي الدراسي جيّد – وفي بعض الأحيان جيّد جداً – لكني دائماً كنت أحبّ تجربة شعور أن أرسب في صفّ ما، لأرى ماهي الآثار المترتبة عليّ؟ أو أن أتأخر في التخرج الجامعيّ سنة أو سنتين مثلاً.

الحلم الثالث: سنة استراحة بين الثانوية والجامعة


صعوبة تحقيق هذا الحلم ليس متعلقاً بالوقت، ولا بمعارضة الأهل، إنما بسبب آليات القبول الجامعيّ التي تجعل الالتحاق بالجامعة بعد النجاح في الثانوية “شرطاً” يعتبر لاغٍ إذا مرّ عليه سنة واحدة، صحيح أنّ بعض الطلّاب يسجّل في الجامعة (سنة أولى) ثم يوقف تسجيله، لكن ما كنتُ أريده غير ذلك تماماً.
كنت أرغب بأخذ مساحة خاصة أجرّب فيها ما أحبّه فعلاً خلال هذه السنة، قبل اختيار التخصص الذي سأمضي فيه بقيّة عمري المهني.


الحلم الرابع: السكن منفرداً (سواء في السكن الجامعيّ أو قبل الانخراط في سوق العمل)


للسكن وحيداً ميزات كثيرة، يعتمد فيها الشاب على نفسه، وتدبير أموره اليومية تمنحه فرصة لاكتشاف ما يجيده وما يحسنه، يضاف لذلك شعور بالاستقلالية المؤقتة التي تجعل نظره للأشياء سليماً، ويضع الأمور في نصابها.

أعلمُ أن بعض هذه الأحلام يمكنني تجربتها الآن، لكن كما قلتُ لكم سابقاً أنّ عامل الوقت هو المهم فيها، وليست مجرّد التجربة.

وأنتم.. ماهي الأحلام المؤجلة الخاصة بكم؟

الاثنين21رمضان 1442هـ الموافق لـ3 مايو2021م.

* مصدر الصورة البارزة:unsplash

كتابٌ ومنشور و10 نصائح

تقبل الله طاعتكم جميعاً.. ها نحن على أبواب العشر الأخير من رمضان! لقد مرّ الوقت سريعاً جداً، ولا يعرف المرء سرعة انقضائه إلا حين ينظر للطريق خلفه فيرى أنّه قطع شوطاً لا بأس به دون أن يشعر.
رمضان أوشك على النهاية؛ رزقنا الله وإياكم فيه القبول والغفران.. وقبل يومين وقعتُ على كتاب صغير الحجم جليل الفائدة يتحدث فيه مؤلفه عن 11 وصيّة لدخول العشر الأواخر فيما يخص الاعتكاف، فرأيتُ أن أشارككم إياها بدون كثير شرح.

حينما يعتكف القلب

حينما يعتكف القلب صـ 3

1- قطعُ العلائق عن الخلائق:

إن سرّ الاعتكاف وغايته، الخلوة بالله وتفريغ القلب وقطعُ علائقه بالخلائق، ولهذا كان اللائق بالمعتكف أن يكون منهمكاً في التنسك والعبادات الخاصة، مقبلاً على ربّه بتخلية القلب لله، والإلحاح في طلب رضاه، والإلحاف في نيل مغفرته وعفوه.
إنّ جلّ الطاعات وكثيراً من العبادات تجتمع للعاكف المنفرد الخالي بربه، وأعظم هذه العبادات وأشرفها عبادة القلب.

2- العيش مع القرآن:

لبّ العبادة وحياة القلب مصدرها الأول: كتاب الله، الذي جعله الله روحاً وحياةُ ونوراً،

وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [الشورى] (52)

ولا غرو أن يجد المؤمن حياة قلبه في تدبر القرآن لأنه يتذوق بتلاوته المتأنية حلاوة المناجاة لكلام ربه، فيعيش في آفاق الآيات التي يسري روحها في خلجات قلبه، فيجد حينها لقلبه حياة أخرى، ولقراءته لذّة لا يصفها لسانه، ولا تدونها أقلامه، وذلك لعظمة الخطاب الرباني وروعة جماله الذي يسلب عقل المتدبر فترق نفسه ويلفها سكينة وخشية، فيتجلى للقلب من المعاني ما يفيض نوراً وغيثاً يضفي على القارئ جلالاً وجمالاً.

3- جمعية القلب وصدق إقباله:

إن غاية الاعتكاف ومقصوده: استقامة اقلب، والقلب لا يستقيم على صراط الله إلا بإقباله بكليّته على الله، ومتى ما انصرف عن الله وسبح في أشتاتٍ بعيدة عنه، فقد فاته المقصود من الاعتكاف ولو كان الجسد عاكفاً.

4- استشعار معيّة الله لعبده:

إن استحضار هذه المعيّة ومراقبة الله لعبده بحاله، وإحاطته بسرّه وعلانيته، وقوله وعمله؛ لهو كفيلٌ بإزالة الغشاوة عن القلب وزوال غبار أوضار الدنيا، ليحلّ محلها الإخلاص الذي يلفّه سياج الصدق مع الله وابتغاء ثوابه وعطائه الأخروي.

5- تعظيم الله تعالى:

إنّ الأصل في عبوديتنا لله تعالى أن تكون قائمة على توقيره وتعظيمه وإجلاله، ورمضان وعشره الفاضلات، والاعتكاف، بوابات مباركة لتنمية هذا التوقير والتعظيم في قلوبنا، وهذه المناسبات في أعظم مورثات هذا المطلب الجليل.

6- افتقار العبد إلى ربّه وشعوره بالحاجة إليه:

إنّ الاعتكاف في بيتٍ من بيوت الله، اعتكاف قلب، صورة حيّة لمشهد ذلّ العبد وافتقاره لمولاه، ولا تتم العبودية إلا “بتكميل مقام الذل والانقياد، وأكملُ الخلق عبودية أكملهم ذلاً وانقياداً وطاعة، والعبدُ ذليلٌ لمولاه الحقّ بكل وجه من وجوه الذلّ، فهو ذليل لعزّه، وذليل لقهره، وذليل لربوبيته فيه وتصرفه، وذليل لإحسانه إليه وإنعامه عليه”.

7- استحضار منّة الله وفضله:

إن المؤمن الحق هو من يديم استحضار مشاهد مننَ ربه عليه، لأنها قد طوقت المؤمن طوقاً يملاً الأرض والسماء، فهو الذي أفاض عليه نعماً أعلاها نعمة الهداية التي يعجز اللسان عن الوفاء بقدرها، حيث أخرجه ربه من ظلمة الضلال إلى نور الهداية، ومن لجة الغيّ إلى رحاب الإيمان.

8- الاعتراف بالذنب والتقصير:

إن لمحة خاطفة وتأملاً سريعاً في ابتهالات الأنبياء والصالحين ومناجاتهم وأدعيتهم، يكشف لك سراً يكتنفها، ألا وهو اشتمالها على الاعتراف بالذنب والظلم، وإليك سجلاً وصفحات مشرقة من اعترافهم بالذنب والظلم:
فهذا آدم وحواء يدعوان:
قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [ الأعراف] (23)

وهذا موسى عليه السلام – وهو من أولي العزم من الرسل – يدعو:
قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [القصص] (16)

وهذا يونس عليه السلام يبتهل إلى ربه ويناجيه معترفاً بذنبه بل بكونه من الظالمين:
فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء] (87)

9- الإقبال على الله بمداومة الذكر:

إن استدامة ذكر الله واستغفاره والثناء عليه مشهدٌ من مشاهد عكوف القلب وصحته وبلوغه الدرحات الإيمانية:
الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد] (28)

ولا شيء يذلل اللسان ويرطبه ويصقل الإيمان ويرفعه كذكر الله جل وعلا، سيما مَن حافظ على أوراد من الأذكار يعمر بها اللحظات، ويحيي بها القلب، وقد توادر الصالحون وتوافقوا على أنّ ذلك هو سلاح المؤمن الذي يخرق حجب الغفلة، ويفتح أقفال القلب في كل عصر، فكيف بعصرٍ تشابكت فيه عاديات الزمان وصوارف الأيام؟!.

10- الإقبال على الله بكثرة الدعاء:

إنّ عبادة الدعاء في العشر الأخير من رمضان وحينما يكون العبد عاكفاً، لها مذاق يعرفه المتضرعون المنكسرون بين يدي الله الباكون المتباكون، حيث يستشعرون القرب من مولاهم والوعد بالإجابة،
وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [ البقرة] (186)

11- الإخبات والخشوع:

إنّ الله مدح في كتابه المخُبتين له، والمنكسرين لعظمته والخاضعين لكبريائه، فقال سبحانه:
وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ [ الحج] (34) وقال تعالى: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء] (90).
وأصل الخشوع: لين القلب ورقته وسكونه وخضوعه، فإذا خشع القلب تبعه خشوع جميع الجوارح والأعضاء لأنها تابعة له.

حينما يعتكف القلب صـ 59

هذا ما كان في شأن الكتاب، أما المنشور فهو هذا والنصائح الـ10 في داخله.

الأحد20 رمضان 1442هـ الموافق لـ 2مايو 2021م.

مصدر الصورة البارزة:unsplash

اللطف المؤذي

لا أحد يحبّ أن يكون فظّاً أو أن يُعامل بفظاظة، ولأجل ذلك يُمدح في المجتمعات البشرية فعلُ “اللطف” والذي من اسمه يدلّ على رقّة في التعامل، وأدب في الحوار، وسلوكيات بسيطة ذات أثر نفسي ممتد.
لكن هل دائماً اللطف مطلوب في كل الأوقات؟ أو هل يُقابل اللطف دوماً بما يشابهه من الآخرين؟

سوء فهم

كثيرون يظنون أنّ اللطف يساوي الضعف، ويبررون لذلك بأنّ الشخص اللطيف هو الشخص “المتملق” الذي لم يستطع الحصول على حقوقه بقوة، أو لم يحظَ باهتمام ملائم، فيقدّم اللطف كطُعم للاصطياد، وهذا قد يكون صحيحاً في بعض الأشخاص الذين لا يرون في اللطف سوى “وسيلة” لتحقيق مآربهم الشخصية ولو على حساب الإساءة والإيذاء للآخرين.

مواقف

لو أردنا حصر الأفعال اللطيفة التي يمكن أن يقوم بها المرء لغيره لطالت القائمة، لكن هنا محاولة لسرد بعض تلك المواقف التي ربما مررنا بها جميعاً يوماً ما، فتنازلك عن دورك لشخص كبير في السنّ، أو القيام له في المواصلات العامة، أو إعطاء منديل لرجل يعطس بجانبك دون طلب منه ( قبل الكورونا) أو إهداء طفل صغير قطعة حلوى في الشارع، أو التبسم لغريب، أو مساعدة شخص يبحث عن مكانٍ تاه عنه، أو التهنئة بفرح والتعزية بوفاة، أو زيارة مريض لا تعرفه، وتجلب له هديّة.
كل هذه المواقف التي ربما مررنا بها مرّة واحدة على الأقل في حياتنا، قد تُفهم من قبل الآخرين كسلوك طبيعي في إطاره وسياقه العام دون تحميله تبعات لا تلزمه، وفي نفس الوقت قد يكون كل فعلٍ من هذه الأفعال بذرة للشك والتساؤل حول الغرض الحقيقي من الفعل.

وأحدثكم عن نفسي؛ وكثيراً ما وقعتُ في هذا الأمر حيث أنّ بعض الناس تفهم هذه السلوكيات بشكل خاطئ أو تحمّلها تصورات غير دقيقة، فكم من مرّة تمدح شخصاً – لا لهدف ولا لغرض – فيرى هذا الفعل منك “محاولة للتقرّب منه! وبعضهم قد يوغل في سوء الظنّ فيرى أن تقربك منه لنيل حظوة أو كسب منفعة.
ومن عادتي – التي أدرّب نفسي على التخفف منها – أنّي أبادر للسؤال عن الآخرين في حال غيابهم، وتفقدهم، والاطمئنان على أحوالهم، لكن وللأسف غالباً ما تكون ردات الفعل تجاه تصرفي مخيبة للآمال، وبعضهم يعدّ هذا من “الحشرية”.

ومن الطبيعي أنّ السلوكيات والأخلاقيات لا تثمر مع كل الناس، وليس كل البشر على سويّة واحدة في تقبل الخير، عوّد نفسك ألا تنتظر منهم مقابلاً، واستبطن في داخلك نكران الجميل، ونسيان المواقف المشرّفة، لأنّ هذا طبع البشر، وإذا رأيتُ من يستغلّ لطفك لأهوائه ورغباته فأوقفه عند حدّه، مهما كان الشخص مقرباً منك، لأنّك ستكون الخاسر الأكبر في هذه العلاقة.

فالحلّ ليس أن تتوقف عن كونك لطيفاً، لكن أن تتوقف عن كونك “لطيفاً أكثر من اللازم”،
بالمناسبة هذا اسم كتاب أنصح به ( لا تكن لطيفاً أكثر من اللازم).

السبت19 رمضان 1442هـ الموافق لـ 1 مايو 2021م.

مصدر الصورة البارزة: unsplash

الحظر الكلّي لـ 18 يوماً.. لا لستُ مصاباً

اليوم قبل حوالي 4 ساعات بدأ سريان قرار “الحظر العام” الذي فرضته الحكومة التركية في عموم البلاد، وقبل هذا التاريخ كان الحظر يشمل يومي السبت والأحد فقط، وحظر جزئي من الساعة السابعة مساءً حتى الخامسة فجراً من كل يوم.
حسناً لن أقول إنّي مسرور، ولن أتبرم ضجراً فقد اعتدتُ على القرارت الغريبة التي تصدر بين الحين والآخر، واعتادت نفوسنا على الإجراءات الغريبة، وأصبحت “كورونا” جزء لا يتجزأ من حياتنا اليومية.
ما الذي سيتغيّر علينا؟ في الواقع لن يتغير علينا شيء كبير سوى أننا سنؤدي أعمالنا من البيوت (online) وهذه ليست المرة الأولى، وسنُحرم من صلاة العيد، ومن بهجة الاجتماع السنوي – للسنة الثانية على التوالي – وسيقتصر خروجنا للضرورة القصوى من أجل الاحتياجات اليومية الأساسية (خبز، خضروات، أكل، مشفى،دواء).

تذكرتُ نصاً لابن الجوزي رحمه الله في صيد الخاطر يحكي فيه كيف أنّ المرء مولع بتتع الغرائب، وأنّه يعارض كل ممنوع برغبة مضادة، وتذكرته اليوم، وكتبت حينها في تويتر:«ولهذا لو قعدَ الإنسان في بيته شهراً لم يصعب عليه، ولو قيل له _ أو قالت له الحكومة _ لا تخرج من بيتك يوماً طال عليه».

من كتاب [ صيد الخاطر ]

لا مزاج لي بكتابة نص طويل.. فقط أردتُ توثيق الخبر، لعله يكون في السنة القادمة “مجرّد ذكرى” ونعود لحياتنا الطبيعية – الطبيعية؟ حينها.

الخميس17 رمضان 1442هـ الموافق لـ 29 أبريل 2021م.

*مصدر الصورة البارزة: unsplash

تربية القرآن بتهذيب النفس

تكاد بعض الآيات حين تقرؤها بتدبر وتمعّن مخالطة قلبك من جمال معانيها، ودقة توصيفها
قبل يومين؛ قرأتُ آيتين وجعلتُ أفكّر فيهما قبل أن أتوجه لكتب التفسير للنهل من معانيها ومعرفة أسباب نزولها فكانت درساً عجيباً

الآية الأولى: ﴿لا تَمُدَّنَّ عَينَيكَ إِلى ما مَتَّعنا بِهِ أَزواجًا مِنهُم وَلا تَحزَن عَلَيهِم وَاخفِض جَناحَكَ لِلمُؤمِنينَ﴾ [الحجر: ٨٨]
والآية الثانية: ﴿ وَلا تَمُدَّنَّ عَينَيكَ إِلى ما مَتَّعنا بِهِ أَزواجًا مِنهُم زَهرَةَ الحَياةِ الدُّنيا لِنَفتِنَهُم فيهِ وَرِزقُ رَبِّكَ خَيرٌ وَأَبقى﴾ [طه: ١٣١]

يأمر الله تبارك وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلّم بألا يمد عينيه ويتطلعَ بقلبه إلى رزق غيره – وحاشاه أن يفعل – لكن هنا ألمح تربية إيمانية له، وللصحابة، ولنا من بعده
من طبائع الأشياء التي لا انفكاك عنها بروز فكرة “المقارنة” في كل شيء.. بدءاً بالأشياء المادية، وحتى المعنوية، ففلان بيته أكبر من بيتي، وراتبه أكثر من راتبي، وعمله أفضل من عملي، ووجهه أجمل من وجهي، ومكان سكنه أفضل من مكان سكني، وحظّه أفضل من حظي ( ويمكنكم وضع قائمة لا نهائية من المقارنات التي تعرفونها والتي ترتبط ارتباطاً مباشراً بحياتنا اليومية)
هل فكرة المقارنة دائماً سيئة؟ الحقيقة أنّها لا؛ فليس كل مقارنة تؤدي إلى التسخط وتنزع الرضا من قلب العبد، لكن فكرة “الاستحقاقية” هي التي قد تؤذي إيمان العبد، وتودي به إلى حافّة الشكّ وعدم الرضا

ما منّا أحدٌ إلا ويرغب بأن يكون وضعه الماديّ في أفضل حال، وصحته كذلك، وعلاقته، وكل شؤون حياته، وليس تطلّب الحياة الكريمة عيباً ولا مثلبة
لكن الملمح الذي أراه من الآية هو أكبر من مجرّد المقارنة، إنها تربية للنفس على غض البصر عمّا عند الآخرين مما لا حظّ لي فيه ولا مكسب، وكذلك الأمر تعويدها على الرضا بما بين يديها من نِعَمْ
جرّب افتح حسابك في إنستاغرام لمدة نصف ساعة، وشاهد قلبك كيف يكون بعد جولة على حسابات مشاهير يتجولون في بقاع الأرض، ويأكلون ما لذّ وطاب
لا تكذب على نفسك وتقول إنّك لا تتأثر بما تراه، فهذه حقيقة مشاهدة يعرفها كل واحد فينا، كل مانراه/ نسمعه/ نقرأه / نعيشه يؤثر فينا بشكل أو بآخر، لكن السعيد فينا من يعرف ماهي الأسس التي بُنيَت عليها هذه المُتع، وما هي مآلاتها
وفي ملمح آخر وهو إغلاق باب الحسدُ عن الآخرين، فالتطلّع لما بين يديهم قد يثير فيك شعوراً بالحقد عليهم – وهم لا علاقة لهم بذلك – أو الغيرة المرضية التي تلتهم قلب صاحبها بنارٍ لا تنطفئ
لا تمدّن عينيك إلى شهادات الآخرين وأنت لم تنلها
لا تمدّن عينيك إلى بيوت الآخرين وأنت تسكن في بيت متواضع
لا تمدّن عينيك إلى علاقاتهم، حيواتهم، مشاربهم، مآكلهم
لا تمدّن عينيك إلى ما غاب عنك، والتزم الأمر الرباني والهديَ النبوي

أما تفسير الآية ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَينَيكَ إِلى ما مَتَّعنا بِهِ أَزواجًا مِنهُم زَهرَةَ الحَياةِ الدُّنيا لِنَفتِنَهُم فيهِ وَرِزقُ رَبِّكَ خَيرٌ وَأَبقى﴾ [طه: ١٣١] كما جاء فيالتحرير والتنوير” لابن عاشور رحمه الله

وَمَدُّ الْعَيْنَيْنِ: مُسْتَعْمَلٌ فِي إِطَالَةِ النَّظَرِ لِلتَّعْجِيبِ لَا لِلْإِعْجَابِ، شُبِّهَ ذَلِكَ بِمَدِّ الْيَدِ لِتَنَاوُلِ شَيْءٍ مُشْتَهًى. [ 1]

وَجُمْلَةُ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى تَذْيِيلٌ، لِأَنَّ قَوْلَهُ وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى آخِرِهِ يُفِيدُ أَنَّ مَا يَبْدُو لِلنَّاظِرِ مِنْ حُسْنِ شَارَتِهِمْ مَشُوبٌ وَمُبَطَّنٌ بِفِتْنَةٍ فِي النَّفْسِ وَشَقَاءٍ فِي الْعَيْشِ وَعِقَابٍ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ، فَذُيِّلَ بِأَنَّ الرِّزْقَ الْمُيَسَّرَ مِنَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ وَأَبْقَى فِي الدُّنْيَا وَمَنْفَعَتُهُ بَاقِيَةٌ فِي الْآخِرَةِ لِمَا يُقَارِنُهُ فِي الدُّنْيَا مِنَ الشُّكْرِ.[ 2 ]

وخَيْرٌ تَفْضِيلٌ، وَالْخَيْرِيَّةٌ حَقِيقَةٌ اعْتِبَارِيَّةٌ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ نَوَاحِيهَا. فَمِنْهَا: خَيْرٌ لِصَاحِبِهِ فِي الْعَاجِلِ شَرٌّ عَلَيْهِ فِي الْآجِلِ، وَمِنْهَا خَيْرٌ مَشُوبٌ بِشُرُورٍ وَفِتَنٍ، وَخَيْرٌ صَافٍ مِنْ ذَلِكَ، وَمِنْهَا مُلَائِمٌ مُلَاءَمَةً قَوِيَّةً، وَخَيْرٌ مُلَائِمٌ مُلَاءَمَةً ضَعِيفَةً، فَالتَّفْضِيلُ بِاعْتِبَارِ تُوَفُّرِ السَّلَامَةِ مِنَ الْعَوَاقِبِ. [ 3]

[1] التحرير والتنوير/ تفسير سورة طه / صـ 340
[2] التحرير والتنوير / تفسير سورة طه / صـ 340
[3] التحرير والتنوير / تفسير سورة طه / صـ 341

الأحد 13 رمضان 1442هـ الموافق لـ 25 أبريل 2021م .

مصدر الصورة البارزة: unsplash

العشرية الأولى

هذه هي التدوينة رقم ( 10) في رمضان، وأنا سعيد بهذا الرقم ليس لأنّ ما أكتبه شيء خارق ومميز، أبداً والله، بل فرحاً بالاستمرارية

تلك العادة الصغيرة _ أياً كانت _ التي تبدأ شاقة على النفس، ما تلبث أن تتحول إلى كرة ثلج ضخمة

هنا يقفز إلى ذهني مباشرة وبشكل عفوي كل ما يتعلق عن الجملة الشهيرة التي لا أعرف قائلها الأول: “استمرارية السعي تقتضي / لا تقتضي حتمية الوصول” وطبعاً لست بصدد تحريرها ولا نقدها، لكن يهمني منها هو أمر واحد فقط: فعل التراكم.
يستحيل أن تفعلَ أمراً – مهما كان بسيطاً – وتداوم على فعله مدة زمنية وبشكل متواصل دون انقطاع إلا ويتحول هذا الفعل إلى جزء أصيل من شخصيتك، وحتى لو تخليت عنه لاحقاً، يبقى أثره باقياً فيك.

أمنا عائشة رضي الله عنها حين سئلت عن عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: “كان عمله دَيمة” رواه البخاري.
و«الدِّيمةُ» في الأصلِ: المطَرُ المُستمِرُّ مع سُكونٍ بلا رَعْدٍ ولا بَرْقٍ، ثمَّ استُعمِلَ في غَيرِه؛ شَبَّهَت عَمَلَه في دَوامِه مع الاقتصادِ بدِيمةِ المَطَرِ، وهذا اللفظ من أجمل ما مرّ معي عن التتابع المنظم الهادئ البعيد عن الصخب، عملة ديمة، أيّ أنّه يلتزم الأمر الذي يرغب به ويثبت عليه ويفعله بكل الأوقات والظروف.

من الأمثلة اللطيفة على عمل الديمة في مجال الكتابة ما يفعله سيث غودن (Seth Godin) في مدونته، حيث يكتب كل يوم تدوينة في مجال الإدارة أو التسويق ولا تتجاوز التدوينة أحياناً الـ 200 كلمة!
ومثل ذلك ما يفعله الصديق عبدالله المهيري في مدونته الجميلة صفحات صغيرة، والصديق يونس أيضاً في مدونته، وأكيد هناك آخرون لا أعرفهم لكنهم مستمرون على هذا الفعل الجميل.

وقالوا قديماً إنّ تتابع قطرات المطر على الصخر قادرٌ على أن ينحت فيها، وكذلك الأفعال اليومية الصغيرة سيأتي يوم وتكون جبلاً عملاقاً.

الخميس 10 رمضان 1442هـ الموافق لـ 22 أبريل 2021م .

وفاءً لأبي المعالي.. الشيخ علي أبو الحسن

أحبّه.. هكذا بدون أي مقدمات، ولأنّي أحبّه – فرّج الله عنه – أحبّ لكم أن تقرأوه وتشاهدوه وتسمعوا له.
ولأنّ كتبه غير متوفرة بيسر، وكثير منها غير متاح بشكل إلكتروني [ pdf ] فكّرت بأن أنشر لكم كل يومين مقالاً من كتبه.
مقال اليوم سيكون من كتاب [ لُقماني.. مقالات ربما ].


ومن لم يعتد على أسلوب الشيخ، فلا يستعجل الثمرة، اقرأ النص مرة ومرتين، ومرّره على عين قلبك حتى تستضيء من أنواره.

أمّ اللحظات.. استمساكاً لإطالة المُكث.

“جميـل أن يحتفـي المـرء بنفسـه ، مستحضراً اتساع معنـى الاحتفاء بمثـل قـول الخليل إبراهيم عليـه السلام في وصف الله تبارك و تعالى [ إنه كان بي حفيا ] مريم ( 47 ).
و أليق اللياقات و أرقاها ذوقا إفاضـة المـرء على نفسـه بـكل مـا يفيـض بـه مـن النبل و الفضـل علـى غيـره ، مستحضراً في ذلك مطلق قوله صلى الله عليه و سلم ” ابدأ بنفسـك”.

وفي صـورة مـن وديـة تواصلـي [ معـي ] تواصـلاً شفائياً مفعماً بطيـب الأنفـاس الـودودة ، تخاطبت [ إليّ ] قائلاً لـ[ آخري ] هذه الحكاية اللطيفة – وصفـك بالجنـون نـوع مـن التشـريف –

بدأت و أنا أتفيأ ظـلال سـروري ( بي ) مجالسـاً ( صامتـي ) الحقيقي .. فأسـر إلـيّ في حلاوة  من الأنس بـي قائلاً : ( عليّ ) صافح نفسك في الطريق إليـك، و تعانـق و إياك كلمـا تقـت، ولترِ صوتك الجوّاني طائـراً يقـودك، و عليـك بالزجل فقلبك حمامة، و اشتق مـن ثغرك المؤمل فجراً، و استدفئ عند العاديات بجمرة الإصـرار المتقدة، وأدمن الإبحار في بريق عينيك المشتاقتين، وتعطـر بحريق لوعات اللحاق، و تذكّر أن تجـرّب مغازلتك، فمحيـاك تـورد أدرنالينا، و اركب جواد سبق السبق عزماً، و تنورس فقـد استبدلت عن الأقدام بالأجنحة، وابتنِ جسـراً مـن كل نومة هجرتها، و أمطـر فـإن لك نفساً هطّالة، و اهتف للنجـوم الـتـي غفـت مـن فـرط الانتظار لتحتشـد، و حـدّق في طيـات كوامنـك مـن الجواهـر، و صـغ لـك منهـا فـأسـاً تـزرع بـه حقلاً للمرسـلات مـن الآمـال، و لتلقـك حالمـاً عنـد شـرفات ربيـع الصحـو، و لتكن مهنتك الإشراق و لتوقفـك شـادياً للمتعثرين في دروب العـرج بالفـرج، وانثر دموعـك في طريق الأقدام للإقدام زهـوراً، و احتفل بأنك لا زلـت تـراك، و ثق أنك الوليـد دومـاً مـا دمـت طـائـراً لا سائراً، وليكن أعظـم أدوية السفر حرقة !!
عندهـا تبستن صـدري و فاح منه عبيـر قميص يوسف على وجه يعقـوب صبـري فارتد نصيـرا.

بالمناسبة كانت هذه محاولة مني لتجريـب فـكـرة الغرق في اللحظة شعوراً بها و امتلاءً بما يمكن أن ينتج عنها، و هذا عادة ما أدرّب به نفسي على أن يكون لـي [ في اليـوم يـوم ] والوصية لمن طال عهـده [ بـه ] : جالسك تجـدك“.

وأرشح لك الاستماع قبل القراءة أو بعدها أو أثناءها على هذا الدعاء الجليل بصوته النديّ:

يوم الخميس 10 رمضان 1442هـ الموافق لـ 22 أبريل 2021م.

رمضان.. والعَود الأبديّ

كل عام وأنتم بخير.. عواشركم مبروكة، تقبل الله طاعتكم جميعاً.. وأخيراً عاد رمضان ونحن أحياء، وهذه نعمة عظيمة والله.

دائماً ما أفكّر في الراحلين الذي لا يشهدون معنا رمضان، وأخاف أن أكون يوماً ما مكانهم _ وسيأتي هذه اليوم لا محالة_ لكن لحسن حظكم لن يكون هناك تدوينة حينها.

أطنان من النصائح والتحضيرات، سواء على المستوى الشخصي أو الجماعي، تفضيلات للمطبخ، زينة للبيوت، ألبسة خاصة للصلاة، عطورات، بخور، مصاحف مزيّنة، أضواء، فوانيس.

لستُ ممن يفضلون الطقوس، مع إني أحبّ رؤية مظاهرها، أشعر أنها تعوّض قليلاً عن الحنين المفقود خصوصاً لمن هم مبتعدون عن أهليهم في الغربة.. ولعل الطقس الوحيد الثابت عندي في رمضان هو [ الانقطاع عن وسائل التواصل الاجتماعي].

هذا الانقطاع السنوي يتيح لي فرصة ذهبية لمراجعة تفاصيل حياتي بمعزل عن ضغط حضورها أمام عيني أو المشاركة في نشر جزء منها.

حين أغلق وسائل التواصل – ولو بشكل مؤقت – أشعر كمن يعيش في مصنع للحديد والصُلب، وفجأة ينقطع التيار الكهربائي عن المصنع.. ذلك الهدوء الغريب والصمت المريب هو ذات ما أشعر به حين أتوقف عن الكتابة والمشاركة والمتابعة.

أحببت أن يكون اللقاء اليومي هنا على المدونة، وسأكتب فيها بإذن الله خلال شهر رمضان المبارك، ولن يكون هناك خيط ناظم للمواضيع.. فقط رغبة بالالتزام اليومي بالكتابة – ولمدة شهر – وأرجو منكم لو رأيتموني تخاذلت أن تشدوا من أزري.

انتهت الحصة اليومية المقررة للكتابة.. أترككم مع فعالياتكم الرمضانية ولا تنسوني من دعائكم.

يوم الثلاثاء 1 رمضان 1442 – 13 أبريل 2021

سمعتُ | شاهدتُ لكم

كنتُ قد ألزمتُ نفسي بكتابة تدوينة كل يوم في رمضان، مهما بدت التدوينة سخيفة أو سطحية أو غير جذّابة.

الإلزام سببه عدّة أمور، أولها أنّ لي مدة لم أكتب شيئاً شخصياً في المدونة؛ وهذا أمر غير صحيّ،  والأمر الآخر؛ هو الاعتياد على الكتابة اليومية بدل الاقتصار على النشر اليومي في وسائل التواصل الاجتماعي الذي تحدثت عنه هنا في هذه التدوينة.

ولأنّه كما يقولون “ماعندي سالفة”  اليوم فكّرت في ترشيح حزمة من البرامج اللطيفة التي أتابعها في رمضان.

أحرصُ أن تكون هذه البرامج لا تحتاج إلى كبير تركيز، ويمكن للمرأة مشاهدتها/سماعها وهي تعمل أو تطبخ أو تمشي أو تزحف ( وراء أولادها يعني ).

ويمكن للرجل أيضاً مشاهدتها قبل العمل أو بعده أو أثناء المشي للتراويح أو بعد العودة منها.

1- اللغة العالية مع عارف حجّاوي:

أنا منحازٌ لأستاذنا عارف ( ويصحّ أن تقول متحيّز ) لأني خبرته عن قُرب، وأحببته لخصالٍ كثيرة أبرزها علمه ودماثة خلقه، وتواصعه، وتبسّطه مع الآخرين.

في برنامجه “اللغة العالية” الذي هو اسم كتابٍ له أيضاً، ستحصل على المتعة والفائدة والطرفة وتقوّم لسانك الفصيح.

كل صباح أبدأ وجبتي اليومية بـ 24 دقيقة معه، فهل تحبّ أن تجرّب؟

2- مِسكين مع وجدان العلي:

نفحاتٌ وجدانيّة عالية، موشّاة بلغة أدبية رقراقة، تنداح بين الأدب والعلم والتربية والسلوك والخلق الراقي، وأستاذنا وجدان تلميذٌ أريب للعلاّمة “محمود شاكر”، قبسَ من نوره، وتغذّى من علمه.

3- مع نفسي [ الدكتور عبدالرحمن ذاكر الهاشمي ]

أحبّ الدكتور عبدالرحمن، وأحبّ سعيه ومشروعه وتربيته، في هذه الجَلسات القصيرة ( 20 دقيقة ) نتعرّف أكثر عليه، وعلى مشروعه، وعلى أبرز الأسئلة التي تدور في نطاق العلاج النفسي، ومتى يكون المرء بحاجة حقيقة للذهاب للطبيب، وهل هناك استفادة فعلاً من جلسات العلاح النفسي؟ إضافة لمواضيع مميزة ومفيدة وبأسلوب لطيف وهادئ.

بالمناسبة للدكتور قناة على التلغرام [ فقه النفس.. مكاني]  يبث من خلالها أبرز محاضراته ودوراته ودروسه الأسبوعية.

4- منصّة منصت:

شعارها [ احفظ وقتك ] وهي فعلاً كذلك، ترتّب لك يومك، وتصحبك برفقة عدد من العلماء في رحاب العلم الشرعي المؤصّل، وكل ذلك ضمن برامج يومية منظمة، وسهلة.

ما عليك إلا الالتزام والفائدة مضمونة بإذن الله.

في رمضان لديهم مشروع سماع اسمه [ فإني قريب ] يمكنكم متابعته على الساوند كلاود أو اليوتيوب 

photo_2019-05-04_22-38-34

5- الموهوبون في الأرض مع بلال فضل:

للأسف أنّ هذا هو الموسم الخامس والأخير من البرنامج، وفيه يتحدث بلال عن الفنانين عموماً عبر سرد لذيذ لمحطات حياتهم، قد لا تكون مهتماً كثيراً بحياة الفنانين، لكن طريقة والمعلومات المحترمة التي يعرضها بلال تجبرك على الاستفادة منه ومن خبرته الطويلة في المجال، وجهده في الجمع والتدقيق ليست هيّنة.

هذا ما أردتُ قوله في هذه التدوينة.. شكراً لكم.